كما البقرة التى يُضحَّى بها..!

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

منذ دقيقتين — الجمعة — 23 / أغسطس / 2019

كما البقرة التى يُضحَّى بها..!

كما البقرة التى يُضحَّى بها..!

اشترك لتصلك أهم الأخبار

فى ثالث أيام العيد، ذبح أب موظف بدرجة مدير عام فى «زاوية غزال»، إحدى قرى مركز دمنهور بالبحيرة، ابنته الطالبة الأزهرية، قيدها بالحبال ثم قام هو وابنه - أى أخوها - الطالب بالمرحلة الثانوية، بإحداث جروح قطعية بالرقبة، وعدة طعنات بجسدها وجسد الشاب الذى وجدوه بغرفتها، ولم ينسيا بالطبع استعراض الانتقام للشرف أمام الناس جميعا، فقام الثلاثة (الأب والأخوان) برميهما من الشرفة، وبأنفسهم أبلغوا الشرطة عن الحادثة. إلى هنا ينتهى الخبر، لكنه فى الحقيقة يستدعى بعض الأسئلة والتأملات التى ينبغى أن نواجهها فى ثقافتنا بروية وهدوء، أولها فى تقديرى توضيح المعنى الحقيقى للشرف وبيانه، الشرف الذى لا يمكن بأى حال أن يقتصر على المحافظة على جسد المرأة فقط، أحسبُ أن معنى الشرف وقيمته أكبر من تلك الانفعالية التى تسفر عن إراقة الأرواح التى تحدث كل يوم، فتصبغ وجه الحياة بالدماء.Sponsored Links

بدايةً، أنا لا أنكر على الأب غضبه، لكن الشرف الحقيقى فى التعقل، فى تقديس الحياة والأرواح وليس إزهاقها، الشرف أن أربى جيدًا منذ الصغر وأراقب، أن أتصرف فى حدود وحجم صلاحياتى فقط، أن أدرك أننى لا أملك الأرواح وليس من حقى التحكم بها، الشرف أن أعدّل وأصوّب المعوج وغير المنضبط، الشرف فى الصبر على الشدائد وكبح جماح الغضب الذى يقترن بالسعى الحثيث إلى أن تنصلح أحوال من يجرح قشرة أعراف المجتمع والأديان.

الشرف أن أكف يدى عما لا أملك، وأن أتركه بذاته يحدد مصيره بعد بذل كل المحاولات للحفاظ عليه ورعايته وتقويم خروجاته سواء بالعقاب أو الحوار أو شتى الوسائل. الشرف ألا أترك بيتى وعائلتى وأولادى نهبًا للأقاويل والإهانات والخوض فى الأعراض، وألا أضيّع مستقبل أولادى الذين لا ذنب لهم وأشركهم فى جريمة تقضى على حياتهم، وتُبقى علامات استفهام دائمة حولهم. ربما لو تغلب صوت العقل فى هذا الأب لكان قد تصرف على نحو آخر، ربما سعى لزواج ابنته من هذا الشاب، وفى حالة عدم مناسبته لها أبعده تمامًا عن حياتها، ثم بدأ مع ابنته رحلة تقويم تتعدد طرقه ومراحله.

تستدعى هذه الحادثة أيضا أن ندرك أن النسق الثقافى العميق للمجتمع لا يرفض تلك الجريمة، بل يهبها غطاءً من البطولة، ولذا احتمى منفذوها بالإشهار دون خشية من توابع القتل، واستعرضوا فعلهم أمام الجميع، وهنا أدق أجراس الخطر التى تنذر باستمرار الفكر القبلى فى عقلنا الجمعى. هذه الرواسب العميقة لدى الأغلبية التى تظل أبرز خصائصها الانفعالات والادعائية والعنتريات؛ ليظهر الرجل بصفته المدافع عن الفضيلة والشرف والأخلاق والذود عن رعيته.

دعونى أطرح عليكم المشهد بتغير بسيط: ماذا لو وجد نفس الأب فتاة فى غرفة أحد ولديه الذكور، هل كان سيقتلهما، هل سيرمى بجثتهما من شرفة منزله أم أنه كان سيصمت عن الأمر وكأنه لم يحدث من الأساس؟ بل قد نجده يبرر له فعله بأن يقول إنها احتياجاته الطبيعية. بالطبع لا يدعو هذا المقال للحرية غير المسؤولة، أو التشجيع على العلاقات غير المنضبطة، لكنه يدعو بإصرار للنظر فى موروثاتنا بطريقة عقلانية لا تغلّب الانفعالات ولا الفضائحية، بل تقديس قيمة الحياة مبدئيًا، ثم النظر فى أحوالها بطريقة موضوعية تتفهم مستوياتها وتبدلات البشر بها ولحظات ضعفهم سواء كانوا رجالًا أم نساءً وما يعتريهم من حالات وإمكان التغير دائمًا للأرقى. ألا ترون أن هناك صدعًا كبيرًا فى التعامل مع كيان المرأة الإنسان، الذات الفردية التى من المفترض أنها وجود مستقل، الوجود الذى يتضمن لحظات القوة والسواء والحرية، كما يتضمن لحظات الضعف أو الخطأ مثلها مثل الرجل، فالدين لم يفرق بينهما فى تقدير هذا الجرم وعقابه؟.

علينا أن ندرك أن جسد المرأة ليس ملكًا لأحد سواها، المرأة سواء كانت ابنة أم زوجة أم أمًّا ليست ملكية خاصة للرجل، بل كيان قائم بذاته كما خلقه الله. تخلصت الثقافة الغربية من تلك الجرائم الوحشية فى حق المرأة حين أدركت المرأة حقوقها، وأنها من تملك جسدها، وأنها تنسب لنفسها أولًا وأخيرًا.

أدعو فى هذا المقال لإعادة النظر فيما يسمى جرائم الشرف، وطرحها للمناقشات الموسعة، وتشديد العقوبات عليها، وعدم التعاطف معها أو مراعاة التخفيف فى أحكامها..

مع ملاحظة أن القضية ليست فى قصور القانون فقط، لكنها فى الثقافة وفى الموروثات وفى كيفية النظر لكيان المرأة.

f5fe424c13.jpg

------------------------
الخبر : كما البقرة التى يُضحَّى بها..! .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : المصرى اليوم

------------------------
الخبر : كما البقرة التى يُضحَّى بها..! .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : أسرار الأسبوع

أخبار ذات صلة

0 تعليق