مطربونا.. لا يطربوننا!

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

يقول الشيخ الإمام محمد بن أبى بكر الرازى، فى كتابه الرائع «مختار الصحاح» بكسر الصاد، تحت كلمة «ط. ر. ب» إنه التطريب فى الصوت، أى تحسينه، وكان مطربونا زمان يطربون الكافة. ويكفى أنهم كانوا «يمدون» الكلمة.. ويكررونها وهم الذين «شدونا» بكلمة واحدة هى «الليالى». ويا سلام على عمنا صالح عبدالحى وهو يشدو بكلمة الليل فيعيد.. ويكرر.. ويطيل، وبالذات فى رائعته ليه يا بنفسج، إذ يظل يردد «الليل» أكثر من نصف مدة الأغنية كلها. وهو آخر «المطربين» القدامى العظام: عبده الحامولى والشيخ المنيلاوى وألمظ.. ولا عجب أن قام أحد المعجبين ليشعل سيجارته بورقة مالية من فئة المائة جنيه.. وكان مبلغاً يشترى عمارة!!

ثم جاء جيل طور وأدخل وغيَّر.. وكان أيضاً من المطربين: يتقدمهم محمد عبدالوهاب، وأم كلثوم، وفريد الأطرش. وعاش بجوارهم فى الصف الثانى، وأحياناً اقتحموا الصف الأول، فى مقدمتهم: كارم محمود، ومحمد قنديل، ومحمد عبدالمطلب، ومحمد أمين، وجلال حرب، وعبدالعزيز محمود. ومن الأصوات الحريمى: أسمهان. وسعاد مكاوى. وحورية جلال. ونور الهدى.. وصباح.. وآخرهن وردة، أما البلبل الشادى ليلى مراد.. فلها فى قلوبنا مكانة خاصة.. وكذلك شادية كل المصريين: شادية!! ولا ننسى فايزة أحمد ونجاة، التى أبدعتنا صغيرة وأطربتنا شابة.. وشدتنا إلى صوتها الدافئ.. بعد تمام نضجه.. إلى أن جاء عبدالحليم حافظ فكان مثل التاج نضعه على رأس مطربى الجيل الثانى الذى سلب العذرية.. من كل العذارى!!

وبين هؤلاء برز جيل استطاع أن يشد الآذان، ويدخل الوجدان، هم رواد فن المونولوج، وفى مقدمتهم محمود شكوكو بشكله وجلبابه.. وطرطوره الشهير.. وضحكته، ضحكة ابن البلد، الذى لا ينسى قرش الحشيش!! وكانت كلماته كلها «حِكم» بكسر الحاء.. ولذلك تربع.. وصنع الناس له تمثالاً يطوفون به الحوارى «شكوكو بقزازة»، وظهر جيل استطاع أن يشد قطاعاً حيوياً من المجتمع بأدائه الجديد.. حتى وإن لم يكن صوتاً جميلاً، ولكنه كان مميزاً، جاء ليعبر عن رغبات السائقين والشقيانين والصنايعية، وفى مقدمة هذا الجيل: أحمد عدوية.. ومحمد رشدى، مع الفارق فى كلمات الأغانى.. وسحر الصوت.. ولا ننسى من النساء ثريا حلمى. ونتوقف قليلاً عند آخر رومانسية الغناء، عند عزيزة جلال. ثم عفاف راضى، ولطيفة.. وسميرة سعيد.. والكل تمسك بجميل الكلمات ورقة الأداء.

وإذا كنا لا ننسى «بحة صوت» عبدالمطلب.. ويا أهل المحبة إدونى حبة.. ويوماتى يذهب ليطل ويرى فقط مجرد شباك الحبيب، قاطعاً المسافة من السيدة لسيدنا الحسين.. مرتين يومياً.. وأيضاً خشونة صوت شكوكو، الذى أقام من الفول والطعمية أربع عمارات.. فإننا نجد الآن أصواتاً أكثر خشونة، تحاول أن تمشى على نفس الدرب.. وربما يكون رائدهم هنا المغنى اللبنانى جورج وسوف فى بحة صوته وخشونته.. ولكنه يحسن اختيار كلمات ما يؤديه.. وهنا نقف ونعطى تعظيم سلام لعمنا وديع الصافى ويا عينى على الصبر.. وهو فعلاً صاحب الصوت الصافى.. وأيضاً صباح فخرى الذى أحيا لنا القدود الحلبية وأعاد إلى أسماعنا من جديد. يا مال الشام. وقدك المياس يا عمرى.. أو رائعته: قل للمليحة فى الخمار الأسود.

نقول: أخرجت لنا مأساة الوطن العربى أصواتاً هى قمة اللاطرب!! وإذا قلنا قديماً إن الجوهرة الثمينة تخرج من بين الطين.. فلم نعد نجد الآن - إلا فيما ندر - إلا الطين نفسه.. ورحم الله «الأطرش» الذى غنى للربيع فأحيا الزهور قبل تمام نضجها.. وها نحن الآن نعيش عصراً يصفون فيه الأخنق والأجش ومن يرقص ويعتقد أنه يغنى، يصفونهم بأنهم مطربون!! ولكن هؤلاء للأسف أصبحوا يحصدون أعلى الأجور.. ويكتنزون الأموال.. وهم لا يملكون من الصوت أى طلاوة.. ولا نجد فى صوتهم أى حلاوة.

■ ■ وهكذا نجد صرعة العصر - بين هؤلاء المؤدين - منهم نجم يتقدم. ربما بسبب غريب ما يلبس.. وطريف ما يضع من ساعات وسلاسل متعددة. ولكنه بات سريع الانتشار، ويأخذه البعض - أو يتقبله البعض - كنوع من المقبلات أو الشطة الحراقة.. لعلها توقظ شيئاً.

■ ■ وهؤلاء بالقطع لا يطربون. سواء من يرتدى الشعبية.. أو يدخل أسماعنا عنوة.. والمؤسف أن منهم من يحاول فرض أولاده على آذاننا.. ألا يكفى واحد من هذه النوعية على الأقل لنعرف الجيد من الردىء؟

■ ■ وربما يتألم الآن محمد عبدالمطلب لشعبيته.. وعبدالحليم لرومانسيته.. وليلى مراد فى حبها المجهول.. ويصرخ عبدالوهاب لعله يوقظ أمير الشعراء.. أما ست الكل بشموخها فتكاد تمزق منديلها الحريرى الذى كان يلازمها.

ثم يصفون بعض هؤلاء بالمطربين.. فينك يا وابور الزلط!!

------------------------
الخبر : مطربونا.. لا يطربوننا! .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق