الحياة فى البلاط الملكى المصرى (4)

0 تعليق 3 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

كان الخديو توفيق قد نبهنا كأجانب وهو يصف وصفاً حياً المحمل المبارك الذى عاد بالحجيج من مكة صباح ذلك اليوم. ثم عقب قائلاً: «أدعم هذا الاحتفال الهام فى ديننا طالما لا ضير فيه ولا أذى. العبرة عندى ألا يحتوى الاحتفال على ممارسات بربرية متوحشة تثير الامتعاض، كما يحدث فى ظرف أيام قليلة حين تشهدون معى دوسة الدراويش، التى أتحفظ عليها ولى فيها رأى مختلف، ورغم ذلك فلا يبدو إبطالها أمراً ممكناً».

والدوسة التى تطرق الحديث إليها هى جزء من الاحتفال بالمولد النبوى، الذى يجرى لعدة أيام فى العراء بجوار الكنيسة الإنجليزية (خلف قصر الإسماعيلية مباشرة الذى حل محله الآن مجمع التحرير)، تُنصب الخيام فى هذه الساحة الخالية على شكل دوار كبير، ويمثل كل منها أحد الشيوخ وأتباعه من الدراويش. وتُنصب خيمة فاخرة للخديو وبجوارها مباشرة خيمة أخرى للحاشية. وتقام الأفراح لمدة أسبوع متواصل، ويأتى المسلمون من كل حدب وصوب لرؤية أصدقائهم والصلاة والمشاركة فى حلقات الذكر المهيبة وما يرتبط بها من إثارة دينية محمومة، وخلال ذلك توجد أيضاً الألعاب النارية ومتع أخرى. وفى تلك السنة خُصص اليوم الأخير، الأحد، للدوسة. ورغم أن الدوسة أميز وأغرب جزء فى أهم احتفال دينى فى مصر، إلا أن وجودها لا يتجاوز القرنين من الزمان. وتقوم الدوسة على نظرية مفادها أن الدرويش الصالح عن حق لا يصيبه أذى أو ألم حين يتعرض جسده للعذاب، لأنه فى كنف الإيمان.

وصل الخديو بحلول منتصف الظهيرة ونزل أمام خيمته. بعدها بقليل انطلقت همهمات وغمغمات تشير إلى اقتراب موكب الدراويش، وما هى إلا بضع لحظات حتى شاهدنا صفا من الرايات الخضراء والحمراء مزخرفة بآيات من القرآن تنطلق إلى الأمام. كان معظم الدراويش معممين فى زيهم العربى، بينما ارتدى آخرون ثياباً غريبة تخص قبائل بعينها. حلق البعض رؤوسهم تاركين خصلة طويلة تتطاوح على أكتافهم. لبس البعض دروعاً وظهرت طائفة أخرى عراة الصدور حتى خصورهم، وعندما دخلوا المضمار أخذوا فى الاندفاع بشدة وزاغت عيونهم وأرغت أفواههم كالمخبولين. وشرعت مجموعة منهم فى شق الثعابين بأيديهم وتقطيعها بأسنانهم بشكل عنيف جداً، ثم تناول أجزاء منها بنهم مفرط، ناهيك عن أكل الزجاج والنار. ودفعت مجموعة أخرى المسامير الصلبة فى خدودهم وأذرعهم، وانشغل قسم ثالث فى قرع الطبول ولف الرتالات «جمع رتالة، وتشبه الشخشيخة لكن طريقة عملها مختلفة». وانبرى بعضهم فى إدماء وجوههم وصدورهم بالمُديات والخناجر، بينما أخذ آخرون منحى أكثر هدوءاً فرفعوا سيوفاً فى الهواء نصالها مسلطة على حناجرهم فى رمزية للتضحية بالنفس.

عند اكتمال وصول المجموعات ووقوفهم على الأبسطة والحُصر، كل فى مكانه، صدرت إشارة لهم فانبطحوا جميعاً على بطونهم بشكل عنيف. وأخذ كبراؤهم فى رصهم والتأكد من أن أجسامهم ملتحمة ولا توجد بينها ثغرات. وكان البائسون يرتعشون ويزبدون ويتمتمون بأفواه مطبقة «يا الله.. يا الله»، ثم خلع المرافقون نعال الراقدين ووضعوها تحت وجوههم، كما قاموا بالإمساك بكعوبهم وجذبها جذبة خفيفة حتى يساووا بين أجسادهم فى خط واحد بغية خلق مسطح عريض وممهد للحصان بعيداً عن الرقاب والأرجل. وعندما تم الانتهاء من تنظيم الصف، بدأ تحرك الفرس الذى يحمل كبير الدراويش، والذى كان مرتدياً عمامة خضراء كبيرة وقفطانا جملى اللون وزنارا مرقشا. وعلى جانبيه قبض سائسان على لجام الفرس، كما سار رجلان آخران بجانب الشيخ ليحولا دون سقوطه، لأن عينيه كانتا مغمضتين، ولأنه كان يترنح على سرج الحصان من شدة التأثر. وطفق شخص فى العدو أمام الجواد على أجساد الراقدين، وسبقه اثنان آخران راحا يطلقان صيحات تنبيه للمنبطحين بمقدم الشيخ ليأخذوا أهبتهم. كان الشيخ ضخم الجثة وجواده قصير القوائم ومدملجاً، وكلاهما يمثلان وزناً رهيباً فى دعسهما لهذا الطريق من اللحوم الآدمية.

وإلى مقال تالٍ عن المعذبين التعساء من طقس الدوسة، كما رواه «ألفريد بتلر» فى كتابه المعنون به المقال.

------------------------
الخبر : الحياة فى البلاط الملكى المصرى (4) .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق