ديفيد إجناتيوس يكتب: «كلينتون» كانت محقة فى رؤيتها لمصر

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

قبل خمس سنوات من الآن، اتخذ الرئيس الأمريكى، باراك أوباما، قراراً كان من شأنه تيسير الإطاحة بالرئيس الأسبق حسنى مبارك، وكانت سياسته وقتها أقرب إلى المراهنة، التى استند فيها إلى منطق قاده للاعتقاد بأن الموجة الثورية للربيع العربى التى تعالت فيها مطالب إرساء الديمقراطية قد تدفع باتجاه مرحلة انتقالية تثمر عن استقرار سياسى فى مصر، وغيرها من بلدان الشرق الأوسط.

الواقع أن مؤازرة أوباما لتظاهرات المصريين فى ميدان التحرير ومطالبهم برحيل مبارك انضوت على شىء من المثالية، وكان مقبولًا ومفهوماً حينها، ولكن توجهه فى التعامل مع المظاهرات يعد واحداً من أكبر الأخطاء التى ارتكبها خلال فترة رئاسته، بل وأبرز تفوقا سياسيا لهيلارى كلينتون التى كانت تشغل حينها منصب وزير الخارجية، وأثبت تحليها بقدر أكبر من رجاحة الفكر والتبصر، والسبب أن ما فعله أوباما وتوجهاته حينها لم تفض سوى إلى اضطرابات ضربت منطقة الشرق الأوسط، وأخذت تتزايد عاماً تلو عام، ومن ثم كان لابد من إعادة النظر فيها وتدبرها بشكل أعمق.

حقاً إن هذا التقدير الخاطئ من جانب أوباما يعد درساً تاريخياً لابد من أخذه فى الاعتبار، ولكنه على الجانب الآخر، أبرز صحة تحليل كلينتون لكبرى قضايا السياسة الخارجية، إذ أثبتت الأحداث بعدها أنه لو كان أوباما اتبع نصيحتها، لتمتعت الولايات المتحدة بموقف ووضع أقوى فى العالم العربى الآن.

فى يناير 2011، وجهت كلينتون إلى أوباما تحذيراً كان أشبه بنبوءة، ووصفت الأحداث فى مصر ومآلاتها بـ«الخيارات الصعبة»، فى كتاب مذكراتها الذى حمل فى اسمه العبارة نفسها (Hard Choices)، وصدر عام 2014، وكان نص التحذير الذى وجهته لأوباما وذكرته فى كتابها أنه «قد تصير الأمور فى نصابها الصحيح وعلى ما يرام بعد 25 عاماً من الآن، ولكننى أعتقد خلال تلك الفترة، ستصطدم مصر والمنطقة كلها، ونحن أيضا بالعديد من العثرات».

وتحكى كلينتون فى كتابها بعض التفاصيل التى جرت داخل البيت الأبيض، حين كان المتظاهرون فى ميدان التحرير، إذ أرسل أوباما فرانك ويزنر، السفير الأمريكى الأسبق فى مصر، للقاء مبارك يوم 31 يناير 2011، حاملًا معه رسالة من واشنطن تحثه على عدم الترشح للرئاسة مرة أخرى، وكذلك على المضى قدماً فى تنفيذ انتقال سلمى للسلطة، وفى كلمة تليفزيونية فى الليلة التالية، خرج مبارك بتصريحات تمحورت فى مجملها حول مضمون الرسالة التى ألقاها عليه ويزنر، ولكن الأوان كان قد فات، ولم تعد الرسالة مجدية لا للحشود التى افترشت الميادين، ولا للفرق السياسية داخل غرفة العمليات.

وتسترسل كلينتون فى مذكراتها: «المسألة التى كانت مطروحة على الطاولة الأمريكية بعدها، كان النظر بشأن إذا كان من المناسب إجبار مبارك على تنفيذ انتقال سلمى وفورى للسلطة، وهو الخيار الذى حذرت منه أنا، وعدد من كبار مسؤولى الإدارة الأمريكية، ولكن مسؤولين آخرين كانوا أكثر ميلا لمثالية أوباما، ورأوا أن الأحداث تتدافع بسرعة على الأرض ولا ينبغى علينا الانتظار، وتمت الإطاحة بمبارك».

وفى الأول من فبراير، خرج أوباما ليصرح، فى كلمة متلفزة، بأن «ناقوس مرحلة انتقالية بمصر قد دق ولابد لها أن تبدأ الآن»، وكانت الكلمة أشبه بزهر النرد الذى أُلقى فحدد مسار اللعبة، إذ تدافعت جماعة الإخوان المسلمين إلى الميدان، ورغم انضمامها المتأخر للتظاهرات، فإنها تمكنت من الفوز بالاستفادة القصوى منها، فى المقابل، عكفت كلينتون ومعها ويزنر على إسداء النصح بضرورة توخى الحذر، ولكن أوباما وبخهما واتهمهما بتوجيه «رسائل مختلطة» تسيئ لنظام البيت الأبيض ومنهجه. تتصاعد تظاهرات التحرير ليتدخل الجيش ويعلن تنحى مبارك عن الحكم فى 11 فبراير.

وعنه سردت كلينتون فى كتابها: «من منا آثر الانتقال الفورى للسلطة كان كل ما يشغله أن القوتين الوحيدتين الأكثر تنظيماً فى مصر هما الجيش والإخوان المسلمين»، وكان تقييماً صحيحاً أثبتته السنوات الخمس الماضية.

فى الخلفية يقف المتظاهرون محمومين بالحالة الثورية، لم تكن هناك أى إمكانية لردهم أو مقاومتهم، ليس من قبل أوباما وحده، وإنما من قبل العالم أجمع، وفى الشوارع كان من الواضح أن مصر (بمساندة الولايات المتحدة) قررت أن تخوض المغامرة، «فالشعب المصرى صار يتعامل مع الموقف باعتباره مراهنة، واضعين فى اعتبارهم أن الإخوان المسلمين لن يمكنهم المساس بتجربة ديمقراطية من صنيع أيديهم، ولكن مثلما هو شائع فى حالات التغيير السياسى، ليس من الممكن أن تطرح الفرضيات وتضمن نتائجها»، هذا نص ما كتبته حين رأيت مئات الآلاف من المصريين المسلمين يصلون فى ساحة الميدان احتفاء بنجاح ثورتهم، فى مشهد «استدعى للأذهان صورة لطهران أكثر مما استدعى صورة للقاهرة».

وعلى طريقة حالات إعادة تفكير فى الماضى من أمثال تلك التى تبدأ بعبارة «ماذ لو؟»، انخرط ساسة الولايات المتحدة فى التفكير بشأن ماذا لو أن ويزنر كان تطرق فى حديثه مع مبارك عن كيفية انتقال تدريجى للسلطة، وهو ما كشفه ويزنر فى لقاء تليفزيونى أثار فيه الجدل حين قال: «كان ينبغى علينا أن ننادى بانتقال منظم للسلطة فى مصر، بدلًا من أن نطالب مبارك بالرحيل، والتنحى عن الحكم دونما استراتيجية بديلة تحدد مجريات الأحداث بعد التنحى»، كنا بحاجة إلى تبنى مسار أكثر مسؤولية يدفع باتجاه تحقيق الاستقرار والتقدم، لا لثورة جديدة».

بالطبع لم يكن أحد يتوقع سلسلة الأحداث الكارثية التى شهدتها مصر بعد ثورة ميدان التحرير، والتى دفعت الجيش إلى التدخل مرة أخرى ليطيح بالرئيس محمد مرسى، الذى أثارت أخطاؤه السياسية وسوء إدارته الشعب مرة أخرى ودفعته للمطالبة برحيل جديد، فضلاً عن انتقال تأثير ثورة 25 يناير إلى الثوريين المسلمين فى ليبيا، فدفعهم إلى الإطاحة بديكتاتور بلادهم، ولاتزال سوريا تمضى فى محاولات الإطاحة بآخر فى سوريا، فيما ظل تأثير رد الفعل الصادم للولايات المتحدة وتخليها عن مبارك مسيطراً على الأسرة الحاكمة فى السعودية.

الواقع أن الكثيرين أساءوا التعامل مع مصر وقت الثورة، وكانت كلينتون واحدة من قليلين أدركوا الصورة بشكل أعمق، وهذا التبصر يمثل ورقة لابد لكلينتون أن تستخدمها فى حملتها الانتخابية لرئاسة الولايات المتحدة.

نقلا عن «واشنطن بوست»


ترجمة- أمانى عبدالغنى

------------------------
الخبر : ديفيد إجناتيوس يكتب: «كلينتون» كانت محقة فى رؤيتها لمصر .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق