عن التداعيات «العملية» لمنهج أينشتاين

0 تعليق 3 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

بمناسبة مرور قرن من الزمن على نظرية النسبية العامة، تحدثت فى المقالين السابقين عن نظريات أينشتاين وأهميتها كمثال لمنهج الفكر العقلانى، خاصة ما يتعلق بالتفاعل بين الفكر النظرى المجرد ومعطيات الواقع الملموس.. فمنذ البداية، لاحظ أينشتاين أن نظريته- التى حرَّكتها فى الأساس نزعات فكرية بحتة- لها تداعيات مهمة يمكن اختبارها، فمثلا تنبأ بحتمية انحناء الضوء تحت تأثير مجال الجاذبية، وقام بحساب قدر انحنائه بدقة.

وعندما ذهب الفيزيائى البريطانى، السير أرثر إيدينجتون، فى سنة 1919 لجزيرة برينسيبى على ساحل أفريقيا الغربى- حيث كان من المرتقب حدوث كسوف كامل للشمس- قاس انحناء الضوء بالقرب من الشمس، فتبين أنه يتماشى مع توقعات أينشتاين.. هناك عدة نقاط تتعلق بنهج الفكر العقلانى وتداعياته يمكن التوقف عندها هنا:

أولا: بساطة المبدأ العملى الذى تم من خلاله اختبار ظاهرة انحناء الضوء، الكسوف الكامل للشمس معناه أن القمر يقع فى طريق الضوء الآتى من الشمس، ليظلم مجال الرؤية حولها. فى هذه الحالة، يمكن رؤية النجوم الواقعة خلف الشمس فى مجال الرؤية وتحديد أماكنها فى السماء، ثم مقارنة هذه المواقع بالتى يمكن استنتاجها عن طريق رصد نفس النجوم حين تكون بعيدة فى مجال الرؤية عن الشمس، «أى عندما تتحرك الأرض حول الشمس مع مرور العام، فلا يمر الضوء الآتى منها قرب الشمس، ويتم التصوير لتحديد المكان فى الليل فى هذه الحالة بالطبع». إذا كان الضوء ينحنى فعلا، عند المرور بالقرب من مجال جاذبية الشمس، فستتغير أماكن تلك النجوم فى السماء بين الحالتين، لتنزاح قليلا نتيجة انحناء الضوء الآتى منها عن مساره عندما يقترب من الشمس.

ثانيا: الطبيعة التراكمية للمعرفة العقلانية وتنظيمها للعالم. لاحظ أنه لإجراء التجربة كان من المطلوب التيقن بحركة الأرض حول الشمس. دون أعمال علماء مثل كوبرنيكوس وكيبلر- والتى أوضحت أن الأرض تدور فعلا حول الشمس، وقوانين نيوتن التى أتاحت حساب هذه الحركة بدقة- كان من المستحيل إجراء التجربة. أى أن نظريات أينشتاين لم «تحطم نيوتن»، إنما بَنَت على الأساس المعرفى الذى أفسحته قوانين نيوتن، فبدونه لم يكن من الممكن اختبار نظريات أينشتاين.. حتى الأسس الفكرية التى بنى عليها أينشتاين نظرياته كانت مطروحة من خلال أعمال نيوتن، ومن قبله جاليليو، الذى اكتشف مبدأ النسبية أصلا، وأيضا تيقن بأن جميع الأجسام تتحرك بنفس الطريقة فى مجال الجاذبية الأرضية، بصرف النظر عن وزنها، «وكانت لذلك أهمية مركزية فى بناء النسبية العامة». نظريات نيوتن ظلت فعالة فى مجال تطبيقها، كذلك، فأى نظرية جديدة لا يمكن أن «تحطم أينشتاين»، فنظريات أينشتاين تم اختبارها بجدية ودقة، وستظل قائمة فى مجال تطبيقها.. أى نظرية جديدة تفسح أفقا أوسع للمعرفة، مع الإبقاء على ما هو معلوم.

ثالثا: الجدية التى تؤخذ بها الأفكار والدقة فى اختبارها، فمن الممكن التنبؤ بانحناء الضوء من خلال نظرية نيوتن أيضا، لكن هناك فرقا يقدر بضعف فى زاوية الانحناء. فى تجربة إيدينجتون كان يترجم ذلك إلى زاوية تقدر بأقل من ثلاثة على عشرة آلاف من الدرجة.. ولاحظ أن المطلوب كان قياس ذلك بتكنولوجيا سنة 1919.. ونفس الجدية فى أخذ الأطروحات هى ما جعلت الجمعية الملكية تبدأ فى تنظيم رحلة إيدينجتون فى عام 1917، أى فى العام التالى مباشرة لنشر نظرية النسبية العامة.

رابعا: لاحظ أن التطور التكنولوجى هو الذى أفسح الطريق لإمكانية رصد مثل هذه الاختلافات الطفيفة. وكان هذا التطور التكنولوجى- نفسه- مبنيا إلى حد كبير على تطور نظرى فى فهم طبيعة الضوء، حدث خلال القرون التى سبقت تجربة إيدينجتون.. والعقود التى شهدت تطورات مهمة فى العلوم النظرية نتج عنها العالم التكنولوجى الذى نعيش فيه، بما فيه أجهزة «جى. بى. إس»، التى تعمل نتيجة معرفتنا الدقيقة لحركة الأقمار الصناعية فى مجال جاذبية الأرض، ومن ثَمَّ تحديد أماكنها بدقة بالنسبة لموقع مثبت على الأرض.. الدقة التى أتاحتها النسبية العامة.

خلال القرن الماضى، أفسحت نظرية النسبية مجالات جديدة تُمَكِّن العلم المعاصر من دراسة تطور الكون ولحظات نشأته الأولى تجريبيا، عن طريق الأرصاد الفلكية المستخدمة للتكنولوجيا، والتى أسفرت عنها تطورات فى الفيزياء النظرية. مع ذلك، يسأل البعض عن أهمية ذلك «عمليا»، بالذات بالنسبة لدولة مثل مصر. الردود كثيرة، وتطرقت لبعضها فى السابق، فأشرت مثلا إلى أنه دون معرفة اللغة الأساسية للعلم سنظل أميين فى عالم مصنوع منها، «بما فى ذلك ما يحتويه من تكنولوجيا حديثة»، أما فى سياق ما سردته عن النسبية العامة، وتداعياتها وكيفية اختبارها، فربما يتضح أن النهج المنضبط الدقيق الدؤوب، الذى يسود العلوم الأساسية، من أهم ما نفتقده.. المنهج العقلانى المنظم ليس من «الكماليات»، وغيابه من أساسيات مأزقنا.

------------------------
الخبر : عن التداعيات «العملية» لمنهج أينشتاين .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق