بلياتشو السيرك الكبير

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

أعتقد أنها أمراض العصر، بل كل العصور، إذا كنا نعترف بأن هناك مَن يتخذون من الدين سبيلاً للوصول إلى غايات سياسية، فهناك من أدعياء الثقافة مَن يتخذون أيضاً من الهجوم على الدين طريقاً للشهرة، أو لتحقيق أهداف بعينها، كالجوائز المشبوهة، والظهور فى وسائل الإعلام، وإحداث حالة من البلبلة والتوتر فى المجتمع ليس أكثر، الفارق ليس كبيراً بين هؤلاء وأولئك، هؤلاء استخدموا الدفاع عن الدين وسيلة لتحقيق الهدف، وأولئك استخدموا الهجوم على الدين وعلى مَن يدافعون عنه أداة للوصول إلى الهدف.

ما عليك فى الحالة الأولى إلا الترغيب والترهيب، أو المدح والقدح، أو التكفير والتخوين، وما عليك فى الحالة الثانية إلا استخدام أسماء الأنبياء، أو أحد الصحابة، أو رواة الحديث، أو المفسرين، أو حتى لفظ الجلالة، فى جمل مفيدة، غير لائقة، تُشكِّك من خلالها فى أى شىء، وربما كل شىء، لتنضم بذلك إلى صفوف ما يُسمى «المثقفين، والتنويريين، والمُجَدِّدين»، وبسرعة فائقة سوف تكون من ضيوف الفضائيات، ومن المرشحين للمناصب العليا، والجوائز المحلية منها والدولية، من خلال مافيا، أو عصابات تم حشدها خصيصاً لهذا الغرض.

الغريب فى الأمر، فى المرحلة الراهنة، هو تلك الهجمة الشرسة على الدين، ليس ما يتعلق بالحجاب والنقاب واللحية، كما كان الأمر سابقاً، وإنما فى أصول العقيدة، أصبح الخوض واضحاً فى أركان الإسلام، فى صلب قواعد الإيمان، أصبح الطعن فى الصحابة، رضوان الله عليهم، فى السلف الصالح، فى الأحاديث النبوية، لم يتركوا كبيرة أو صغيرة إلا خاضوا فيها بكل وقاحة، وكأننا أمام مخطط منظم ومبرمج، خصصت له فضائيات بعينها برامج عديدة، وأفردت له صحف بعينها مساحات واسعة.

ربط البعض منهم بين أفول نجم الإخوان فى هذه المرحلة، وأهمية انتهاز الموقف للنَّيْل من الدين، وكأن الإسلام فى مصر كان مرتبطاً بوجود الإخوان، هم لا يدركون أن عُمر الإسلام يقارب ألفاً وخمسمائة عام، بينما عُمر الإخوان بضعة وثمانون عاماً، بالتأكيد هو ربط يفتقد العقل والمنطق، فهِم البعض منهم أن دعوة رئيس الجمهورية لما يسمى «تجديد الخطاب الدينى» إنما تعنى الانقضاض على الدين، أو التبرؤ من القرآن الكريم، أو عدم الأخذ بصحيح الأحاديث.

ما يبوح به هؤلاء فى أمور الدين لا نسمعهم أبداً يتحدثون به فى أمور الدنيا، أو بمعنى أصح فى الشأن السياسى، هم يدركون أن أحداً لن يسمح لهم بذلك، العصا الغليظة فى انتظارهم، دائماً وعبر التاريخ الحديث كانت كل مواقف هؤلاء مرتبطة بالترزُّق وأكل العيش، بدا واضحاً أن المرحلة الآن بها الكثير من أكل البقلاوة، ما دام الأمر يتعلق بالخوض فى أمور الدين بما لا يليق، قرأت لأحدهم أخيراً، وجدته يصول ويجول من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، استخدام ألفاظ ومصطلحات عفا عليها الزمن، أدركت أنه هو نفسه لا يدرى ماذا يريد أن يقول، فما بالنا بالقارئ، والله إنه أكل البقلاوة ليس أكثر.. أرزاق!

المهم أرى- وبصراحة- أن هذه العملية أصبحت ماسخة إلى الحد الذى لم يعد يجد قبولاً فى أى من الأوساط، والدليل على ذلك هو حجم الكتب التى ضخ بها هؤلاء فى معرض الكتاب هذا العام، ولا تجد إقبالاً بأى حال، كما جرت العادة دائماً وأبداً، إضافة إلى ندوات المعرض التى تصب جميعها أيضاً فى هذا الاتجاه الماسخ، إلا أنهم لا يريدون أن يستوعبوا هذه الرسالة، لا يريدون أن يستوعبوا أنهم نشاز فى المجتمع، أو أن هذا اللغط الحاصل هو الذى جعل الشباب يركن إلى التطرف والتشدد، بل الهجرة من الحالة ككل، فى غياب تيار إصلاحى سَوِى يمكن أن ينتشل المجتمع من عثرته.

ما يُحزننى فى هذا الشأن هو أن المثقفين الحقيقيين، أو الوسطيين، آثروا الانطواء والانزواء، بدلاً من مواجهة هذه الحملة الشرسة، المشحونة بالغل والحقد، لا نراهم ينتفضون فى مواجهة مجموعات المهاويس، ربما لعدم إتاحة الفرصة أمامهم أسوة بالآخرين، ربما لعدم توافر الإمكانيات التى تتوافر للآخرين، ربما يرون ما يجرى توجهاً عاماً، الأسباب فى ذلك قد تكون كثيرة، إلا أنها لا تُعفى أبداً من المسؤولية، وأستشهد هنا بما قاله الرئيس التونسى قائد السبسى- قبل يومين: «نحن فى تونس نقاوم الآن اليسار المتطرف، لأنه أشرس من الإسلام المتطرف»، مستخدماً تعبير «أيادٍ خبيثة» فى الإشارة إليهم.

على أى حال، أرى أننا أمام اللعبة الأخطر على الإطلاق فى السيرك الكبير الذى نعيشه الآن، وهى لعبة إلهاء الناس بقضية شائكة عن كثير من القضايا الحيوية والمصيرية، التى تحدد مستقبلهم ومستقبل أبنائهم، بل ذرياتهم، أما وقد تم استخدام مجموعة البلياتشو فى السيرك لأدائها، فالنتيجة الطبيعية هى سقوطهم، واحداً تلو الآخر، عقب انتهاء أدوارهم مباشرةً، الغريب أنهم مستمرون فى غيّهم، وفى أداء نفس الألعاب اليومية، لم يستوعبوا الدرس، ويبدو أنهم لن يستوعبوه، إلا إذا وقعوا جميعاً فى غيابات الجُب، وحين ذلك لن يلتقطهم بعض السيَّارة أبداً، حيث مزبلة التاريخ تكون فى انتظارهم.

------------------------
الخبر : بلياتشو السيرك الكبير .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق