ومن الفيزياءِ شفاءٌ ورحمة

0 تعليق 6 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

لم يكن الفيزيائى والمهندس الأمريكى صربى الأصل، نيقولا تِسلا، المولود فى المجر عام ١٨٥٦م، قد نَصُلَ بعد من عقده الرابع حتى أحرز لقب «مكتشف القرن العشرين». فقد أتى هذا العالم العظيم بما لم يأت به الأوائلُ، فى مجالات الطاقة الكهربية والمغناطيسية والرادار والإضاءة والاتصالات اللاسلكية والتحكم عن بعد. كما اخترع أيضا المحرك الكهربائى والمذياع وأنجز أكثر من ٧٠٠ براءة اختراع، غطَّت كافة مناحى العلم والتكنولوجيا. وكان لابتكاراته أكبر الأثر فى دفع عجلة الحضارة فى القرن العشرين بأكمله. كان تِسلا قد توصل إلى أسلوب مبتكر لتوليد مجال مغناطيسى متناوب، يغير من اتجاهه دوريا لتتحرك معاه حلقات تشغيل تدير المحركات. وما زالت هذه التقنية مطبقة فى أغلب المحركات الصناعية حتى يومنا هذا. وفى العام ١٩٥٦م، رُفِعَ ذكر تِسلا بإطلاق اسمه كوحدة دالة على شدة المجال المغناطيسى. وأصبحت كل أجهزة الرنين المغناطيسى حول العالم تُضبط على وحدة التِسلا. فكلما زاد عدد وحدات التِسلا، أصبح جهاز الرنين أشد قوة، وخلَّف صورا أكثر وضوحا للجسم البشرى.

وفى أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، كان الفيزيائى الأمريكى بولندى الأصل، إيزيدور رابى، يجرى أبحاثا غريبة، لا يُلقى لها أحد بالا، وذلك فى معمل بوبين الشهير للفيزياء بجامعة كولومبيا الأمريكية. فقد كان رابى يجوس الخواص المغناطيسية للذرات لينظر مدى استجابة أنويتها للمجالات المغناطيسية الخارجية. وقد تحقق رابى من وجود ظاهرة كمية (نسبة إلى ميكانيكا الكم)، أطلق عليها الرنين النووى المغناطيسى Nucelar Magnetic resonance، مفادها أن أنوية الذرات تستجيب للمجالات المغناطيسية القوية، وتتراقص معها عن طريق استقبال وبث موجات راديو وكأنها محطات إذاعية صغيرة. وسرعان ما استشعر المجتمع العلمى العالمى أهمية هذا الاكتشاف، ومُنح رابى جائزة نوبل فى الفيزياء فى عام ١٩٤٤م.

ومنذ ذلك الوقت، أصبح معروفا من الفيزياء بالضرورة أن أنوية الذرات فى حالة تراقص دائم، فهى تلف حول نفسها، وتنقلب عشوائيا. وتتراقص كل ذرة بطريقتها الخاصة كما يحلو لها، غير عابئة بجاراتها. أما إن تعرضت الذرات إلى مجال مغناطيسى قوى، فلن تقوى أنويتها على الرقص المنفرد، وإنما ستتراص فى جماعات تتمايل وتدور فى تناسق وتناغم، وفقا لإيقاع يضبطه المجال المغناطيسى الخارجى. وعلى غرار اللآلئ النفيسة، اُلتقط هذا الاكتشاف من بحور الفيزياء العجيبة ليزين صدر الطب، كأساسٍ لعمل جهاز التصوير بالرنين المغناطيسى. فعندما يوضع الجسم البشرى داخل مغناطيس كبير، تَهدتى سُبُل ذراته، وبخاصة ذرات الهيدروجين التى تعج بها أنسجته، وتنتظم أنويتها لتتراقص سويا وتتمايل فى اتجاه المجال المغناطيسى. وفى هذه الأثناء، يطلق جهاز الرنين موجات راديو ذات صفير مميز، يلاطف بعضا من الأنوية الراقصة ويغويها لتَنشُز عن تراقصها المنتظم مع المجموعة، وتأخذ فى الدوران باتجاه مختلف. فإذا ما انقطع الصفير، طفقت «الراقصات» المنفلتات فى الخطو ثانية نحو مواضعها الأولى، مُرْجِعاتٍ صفيرا من موجات الراديو، يشى بما حدث من الغواية والحيود. وتَبُثُّ الذرات هذا الرجيع قويا فى البدء، ثم يخفت تدريجيا كلما اعتدلت الأنوية الناشزة، وتراصت مع مثيلاتها.

وسرعان ما اكتشف الطبيب والمخترع الأمريكى أرمينى الأصل، ريموند دامديان، أن خصائص هذا الرجيع من حيث شدة أو ضعف بث الموجات وعجلة أو أناة خفوتها- تختلف اختلافا جوهريا بحسب سلامة أو اعتلال النسيج الخاضع للفحص. بل استطاع دامديان أن يسجل هذا الصفير المرتجع من أجزاء الجسم المختلفة. وذلك باستخدام لواقط حساسة مثبتة على جهاز الرنين، تترجم «صفير الأنوية» هذا، وتحوله إلى صور يخُطّها الحاسوب خطّا يميز الأنسجة السليمة ويظهر ما قد يشوبها من أسقام وأورام.

وبحلول العام ١٩٧٧م وتحديدا فى يوم الثالث من يوليو، قدم دامديان للعالم أول مسح كامل للجسم البشرى باستخدام جهاز الرنين المغناطيسى. ومن المثير أن لجنة نوبل عندما منحت جائزتها فى الطب لعام ٢٠٠٣ م لرواد التصوير بالرنين المغناطيسى، تخطت دامديان تماما، ومررت التكريم إلى كل من الكيميائى الأمريكى بول لوتيربوم من جامعة ولاية نيويورك، والفيزيائى البريطانى، بيتر مانسفيد، من جامعة نيوتجهام. وبررت اللجنة هذا التخطى بأن لوتيربوم كان له السبق فى إيراد أول صورة «شاحبة» باستخدام تقنية الرنين المغناطيسى فى عام ١٩٧٣م، لأنبوبين صغيرين مملوءين بالمياه!. الأمر الذى دفع بريموند دامديان أن يذهل عن نفسه، ويطوف الأرض مغاضبا، متهما لجنة نوبل بالتحايل والتدليس. ولا يزال هذا الأمر محل استغراب وجدل فى المحافل العلمية العالمية.

ومن المتوقع أن يظل التصوير بالرنين المغناطيسى أداة تشخيصية رئيسية وآمنة، لا غنى عنها خاصة فى علم الأعصاب الحديث، وفى تشخيص الأورام وأمراض القلب والعمود الفقرى. كما بزغت حديثا تقنية مدهشة تسمى بالرنين المغناطيسى الوظيفى unctional MRIF والتى أصبحت تستخدم على نطاق واسع فى رسم خرائط لمسارات الإشارات العصبية فى الدماغ.

ونحن إذ نقدم سردا مقتضبا لمنجزات علمية وطبية كبرى، رُويت من معين الفيزياء، إنما نريد أن ننذر بمغبة التغافل عن الاهتمام بالعلوم الأساسية والاستثمار الكثيف فيها. فإن أردنا أن نلين لأنفسنا مسالك العيش الكريم، وجب علينا أن نسير سِيَرَ المجتمعات التى أنجزت للإنسانية ودفعت عجلة الحضارة. فلا حَظَّ من هذه الدنيا لشعوب استمرأت الراحة والدعة، وجافت العمل الدؤوب، ولا كرامة لأمم أعتمت نور العلم الوضّاء بسجاف الخرص والخرافة.

------------------------
الخبر : ومن الفيزياءِ شفاءٌ ورحمة .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق