تأملات في زمن جريح*

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

(1)

في عنفوان الصبا كنت مأخوذا بأشعار نزار قباني، كنا نتبارى في اقتناء دواوينه وحفظ قصائده الجريئة، سواء غزلياته للمرأة أو هجائه السياسي للعرب بعد النكسة، في ذلك الوقت كان صلاح عبدالصبور ثقيلا علينا، في لغته ومعانيه، موسيقاه شحيحة لا تناسب ايقاعنا الشبابي السريع، ولا نظرتنا الرومانتيكية للحياة.
لما نضجت قليلا تابعت إذاعة البرنامج الثاني، وكانت مخصصة للثقافة والأدب العالمي، واستمعت فيها إلى قصائد بأصوات أمل دنقل، وكمال نشأت، وإبراهيم ابو سنة، وأحمد سويلم، كما أعجبتني قصائد للبياتي والسياب ونازك الملائكة، وفدوي طوقان، كنت اقرأها على سبيل التعرف وليس التذوق، وفي منصة أخرى تعرفت على أصوات شعرية شابة مثل فريد ابو سعدة، عزت الطيري، أحمد عنتر مصطفى، وأسماء كثيرة أخرى (لم تستمر) كنت اتابعها من خلال مجلة «شعر» التي تصدر عن اتحاد الإذاعة والتليفزيون
تعرفت على حسن فتح الباب وحسن توفيق ومهران السيد، وصديق آخر نسيت اسمه الثلاثي المميز رغم أنني اذكر شكله جيدا (تذكرته إنه عبدالمنعم عواد يوسف)، وفي تلك السنوات ظهر شعراء إضاءة 77، وبدأوا معركة جديدة في وادي الشعر، لكنني لم أتجاوب مع تجربتهم إلا متأخراً.

(2)
وسط كل هذا الزخم عرفت أن الشعر أوسع من دفاتر نزار قباني، لكن حتى ذلك الحين لم أستسغ صلاح عبدالصبور شاعرا، وظل عالمه بعيدا عن ذائقتي، بالرغم من أنني اقتربت من رفيقه في رحلة التجديد أحمد عبدالمعطي حجازي وأعجبني ديوانه «مدينة بلا قلب»، وحفظت منه الكثير، وكنت أردد دوما بشجن كبير قصيدته الموجعة «سلة ليمون» التي يرثي فيه حال القروي في المدينة:
سلّة ليمون/ تحت شعاع الشمس المسنون/ والولد ينادي بالصوت المحزون:/ عشرون بقرش/.. بالقرش الواحد عشرون/ سلّة ليمون، غادرت القرية في الفجر/ كانت حتّى هذا الوقت الملعون/ خضراء، منداة بالطلّ/ سابحة في أمواج الظلّ/ كانت في غفوتها الخضراء عروس الطير/ أوّاه!.. من روّعها؟/ أيّ يد جاعت، قطفتها هذا الفجر/ حملتها في غبش الإصباح/ لشوارع مختنقات، مزدحمات/ أقدام لا تتوقّف/ سيّارات تمشي بحريق البنزين/ مسكين/ لا أحد يشمّك يا ليمون/ والشمس تجفف طلّك يا ليمون/ والولد الأسمر يجري، لا يلحق بالسيّارات/ عشرون بقرش.. بالقرش الواحد عشرون!«

(3)
أثناء دراستني الجامعية، وبمناسبة عيد ميلادي (عام 1981) أهداني صديقي الشاعر مصلح السيد مسرحية «مأساة الحلاج» لصلاح عبدالصبور، وعندما قرأتها أصابتني حالة من الهوس بها حتى أنني حفظتها كاملة من كثرة قراءتي.
بدأت أتتبع مسرحيات عبدالصبور، ولم أتفاعل مع شعره، ظلت المسرحيات هي مدخلي ومحل إعجابي: «مسافر ليل»، «الأميرة تنتظر»، «ليلى والمجنون»، «بعد أن يموت الملك».
في صيف ذلك العام مات عبدالصبور، وتابعت ماتردد من شائعات عن سهرة القتل، وعبارات اللوم التي أدت إلى إصابته بالأزمة القلبية، عدت إلى اشعاره مدفوعا لدرجة من التعاطف الإنساني، فقرأت «أحلام الفارس القديم» وبدأت أنتقي القصائد التي تعجبني، ثم قرأت ديوانه الأول «الناس في بلادي» واستهوتني المعاني لكن أسلوبه الفني ظل عصيا على ذائقتي، حتى وقع في يدي كتابه المعنون «حياتي في الشعر» فقلب كياني ومشاعري، (الأدق أن أقول: عدل كياني ومشاعري)، كنت قبلها قد قرأت كتاب الدكتور أنور عبدالملك «تغيير العالم»، وكنت واحدا من أولئك التعساء الذين يحلمون بهندسة الكون حسب أفكارهم وتصوراتهم، لكن الحلم تحول إلى كابوس، والمهمة صارت أشبه بلعنة معذِبة.
توقفت أمام نفس المعنى الذي دونه عبدالصبور في كتابه، وهذا نصه: «في شبابي فتحت عيني على الكون وهو مقلوب على رأسه، كان حلم حياتي أنا وجيل من أصحابي أن نعدل هذا الكون المقلوب، لكن اليأس أدركنا، فوقفنا نحن على رؤوسنا لكي نستطيع أن نتواصل مع الحياة والبشر!».
انتهى الاقتباس، فهل تشعرون الآن بوخزة في قلوبكم، بعد أن فضحت هذه العبارة الكاشفة حالكم المقلوب؟
لا شك أن معظمكم مثله ومثلي واقفون على رؤوسكم وأن تقرأون هذا المقال وتعيشون في هذا الزمن الأعوج!

(4)
بعد أن انتهيت من قراءة كتاب «حياتي في الشعر» حصلت على حل الشيفرة، وأدركت أنه شعر عبدالصبور لم يكن ثقيلا، كان عميقا وكنت سطحيا، لم يكن جافا كانت موسيقاه هادئة لا تأبه بالضجيج.
قرأت «أقول لكم»، و«تأملات في زمن جريح»، و«شجر الليل»، و«الإبحار في الذاكرة» ومقالاته النثرية الرائعة، لكنني سأختتم المقال بأبيات تشبه البطاقة التي صالحت بيني وبين اشعاره:
«هذا زمن الحق الضائع. لا يٌعرف فيه مقتول مِن قاتله، ومتى قتله؟.. رؤوس الناس على جثث الحيوانات، ورؤوس الحيوانات على جثث الناس، فتحسس رأسك.. فتحسس رأسك!»

(5)
لاتوجد مناسبة لهذا المقال.. الشعر دائما هو المناسبة، وعندما يحضر، لا تنشغل عنه بقذارات المرحلة، يمكنك أن تهمل كل ما يشغلك، وتهتم فقط بالشعر.
.......................................................................................................
* العنوان لصلاح عبدالصبور


جمال الجمل
tamahi@hotmail.com

------------------------
الخبر : تأملات في زمن جريح* .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق