التعليم المدنى والتعليم الدينى وبينهما متشابهات

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

أتابع الحديث عن نظام التعليم فى مصر ومسؤوليته عما نعانيه من مظاهر اجتماعية سلبية. وأضع أمام القارئ الأرقام التالية التى نشرها جهاز التعبئة والإحصاء عن حال التعليم الجامعى فى مصر. تأتى جامعة الأزهر الأولى بين الجامعات المصرية فى استيعاب أكبر عدد من الطلاب، حيث ينخرط فيها حوالى 300000 (ثلاثمائة ألف) طالب. تليها من حيث أعداد الطلاب جامعة القاهرة والجامعات الحكومية الأخرى، ثم المعاهد فوق المتوسطة. وتبلغ نسبة المقيدين فى الجامعات الحكومية، بما فيها جامعة الأزهر، حوالى 76.1% من جملة طلاب التعليم العالى، وبالجامعات الخاصة والأجنبية 0.5%، وبالمعاهد العليا الخاصة حوالى 16%. دلالة هذه النتائج فى عُجالة أن أبناء الأثرياء الذين يحصلون على تعليم متميز فى الجامعات الخاصة والأجنبية، وبالتالى يحصلون على المناصب المرموقة، هم نصف فى المائة من عدد الطلاب، وأن من يحصلون على تعليم حكومى يعانى من مشكلات التدهور والازدحام والضعف والفاقة ٧٦٪ من الطلاب، وأن حوالى 18% من الأخيرين يحصلون على تعليم دينى أو دنيوى بخلفية دينية. هذا بالإضافة إلى ١٦٪ سلكوا الطريق السريع إلى البطالة فى المعاهد العليا الخاصة.

لن نقفز إلى نتائج الأرقام أكثر من ذلك الآن. ولن نتحدث الآن عن انعكاساتها على كثير من الظواهر الاجتماعية السلبية فى مصر.

ولكن دعونا نتوقف أمام واقع أهم وأكبر جامعة من حيث عدد الطلاب، وهى جامعة الأزهر، التى هى من أقدم جامعات العالم. أنشأ الفاطميون الجامع الأزهر سنة ٩٧٢م لتدريس المذهب الشيعى على الطريقة الإسماعيلية، وأهمله صلاح الدين الأيوبى لاعتناقه مذهب أهل السنة، وعاد الأزهر لمجده بعد عصر المماليك وتحول للمذهب السنى. إلا أنه كان فى كل عصوره جامعة دينية إسلامية لنشر علوم الدين الإسلامى واللغة العربية والتفقه فيهما. ثم انتشرت المعاهد الأزهرية فى ربوع مصر سنة ١٩٠٨ فى عهد الشيخ حسونة النواوى. وصدر القانون رقم ١ لسنة ١٩٠٨، الذى قسم التعليم الأزهرى إلى «أولى وثانوى وعالى». وأوجب هذا القانون تدريس العلوم الحديثة بالأزهر، ما أثار ثائرة رجال الأزهر، فعادت هذه العلوم الحديثة لتصبح اختيارية لمن شاء من الطلاب بمقتضى قانون ١٨٩٦.

وتوالت القوانين لتنظيم التعليم الأزهرى، بدءاً من عام ١٩١١ إلى أن استقر الأمر بصدور القانون رقم ٤٩ لسنة ١٩٣٠، الذى حدد مراحل الدراسة بالأزهر بالمرحلة الابتدائية ثم الثانوية بدرجتيها ثم التخصصية، وأُنشئت الكليات الأزهرية الثلاث وهى الشريعة وأصول الدين واللغة العربية.

واستمر الأمر بالأزهر باعتباره جامعة متخصصة فى الشريعة الإسلامية وعلوم اللغة العربية، إلى أن ارتأى نظام ثورة يوليو فى الستينيات، بعد أن ألغى المحاكم الشرعية سنة ١٩٥٥، أن يخطو خطوة أخرى لما ظنه تحديثاً للدولة، بأن يحول الأزهر إلى جامعة تخرج رجال الدين المتسلحين بعلوم الدنيا، وتخرج المهنيين من المهندسين والمحامين والقضاة والأطباء والمترجمين الملمين بالعلوم الشرعية الإسلامية. وفى وقت لم يكن يُسمح فيه بمناقشة القوانين قبل صدورها، (وهو الأمر الذى مازالت آثاره قائمة حتى الآن) صدر قانون تنظيم الأزهر الذى حوّل الأزهر من جامعة لتدريس العلوم الشرعية واللغوية والتفقه فيها إلى جامعة إسلامية ودنيوية معاً. وكان من المفهوم أن يكون رجال الفقه الإسلامى على علم بالخطوط العريضة لمتغيرات العلوم الحديثة، ولكن لم يكن مفهوماً أن يكون المهندسون والأطباء والمحامون والمترجمون من ذوى الخلفية الإسلامية فى مجتمع مدنى. وقد أسفر هذا التنظيم المستحدث عن إضعاف قدرة خريج كليات الأزهر عن الإلمام التام والتفقه فى علوم الدين واللغة، أو الإلمام كما يجب بعلوم الدنيا والإبداع فيها. وهكذا أُثقل طلاب الهندسة والطب والترجمة والقانون والتجارة بجامعة الأزهر، أكثر من نظرائهم فى الجامعات المدنية، بعلوم القرآن الكريم والحديث والفقه وغيرها من علوم الشريعة، وأكاد أقول إن «المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى»، وأحدث هذا القانون نوعا فريدا من الازدواجية المعرفية ذات ظواهر سلبية فى مجملها.

فهو أولاً أنشأ نوعاً من التمييز الدينى المخالف لمبدأ المواطنة فى الدولة المدنية. وإذا كان من المفهوم أن تقتصر دراسة علوم الدين على أهل كل دين، وأن يتولى المسلمون وحدهم أمر التفقه فى شريعتهم، فمن غير المفهوم أو المبرر أن يُحظر على أهل الديانات الأخرى دراسة علوم الدنيا فى جامعة، ولو كانت إسلامية، خاصة إذا كانت تقديرات الشهادة الثانوية المؤهلة للالتحاق أقل منها فى نظيراتها بالجامعات المدنية. كثير من جامعات أوروبا وأمريكا نشأت نشأة دينية وتخصصت فى علوم اللاهوت، ولكن بمجرد أن فتحت أبوابها لدراسة العلوم الحديثة فتحت أبوابها أيضاً للدارسين من مختلف الأديان. جامعة الأزهر عندنا بكلياتها الدنيوية يُحظر أن ينخرط فيها غير المسلمين (المادتان 33 و38 من قانون الأزهر)، وكل أساتذتها حتى لو كانوا من الأجانب يجب أن يكونوا من المسلمين، وكان الأولى أن يُسمح للمصريين غير المسلمين بالالتحاق بجامعة الأزهر فى كلياتها الدنيوية، مع إعفائهم من المواد الشرعية.

المسألة الثانية أن طلاب الكليات المدنية بالأزهر ملتزمون بدراسة العلوم الشرعية فوق علومهم الدنيوية، دون تنقية لكتب التراث التى يدرسونها مما يصلح لعصرنا، وما هو محكوم باعتبارات التاريخ.

وهكذا أسهم هذا النظام فى تخريج عشرات الآلاف من المهنيين المتشددين دينياً، الذين درسوا أقوال السلف بعيداً عن سياقها التاريخى. وهذا يفسر انتشار الفكر السلفى والإخوانى بين طلاب كليات جامعة الأزهر أكثر من غيرها. والتخريب والحرائق التى حدثت فى الجامعة بعد ثورة يناير مازالت تدمى قلوب كل المصريين.

أضف إلى ذلك أن الأزهر بوضعه الدينى السلفى الدنيوى، بعد أن كان متركزاً فى القاهرة ومدينة أسيوط أساساً، أصبح منتشراً فى كل ربوع مصر. فالجامعة توجد بأعدادها الغفيرة فى القاهرة ودمياط وأسيوط وطنطا وتفهنا الأشراف والمنصورة والزقازيق والمنوفية ودمنهور وكفرالشيخ وقنا وإيتاى البارود. وكلياتها، فضلاً عن كليات الشريعة وعلوم الدين واللغة، تشمل كل التخصصات التى توجد فى جامعات مصر الأخرى، بما فيها التربية البدنية. كما تتعدد كلياتها بتخصصاتها إلى كليات للبنين وكليات للبنات.

ولنضف إلى ذلك عشرات المعاهد المتخصصة الملحقة بالكليات، فضلا عن عشرات المدارس الإعدادية والثانوية الأزهرية التى تعطى شهادتها أولوية القبول بجامعة الأزهر، فضلاً عن حق الطالب فى التقدم للقبول بجامعات الدولة الأخرى. وزد على ذلك العشرات من المدارس والمعاهد الخاصة التى تحمل اسم المعاهد الأزهرية.

هذا وصف موجز لواقع وتطور التعليم الأزهرى فى مصر، من تعليم إسلامى متخصص إلى تعليم دينى دنيوى. وليتحول الأزهر من معهد إسلامى إلى مؤسسة ذات طابع دينى موازية للمؤسسات التعليمية الأخرى، ما أخرج عشرات الآلاف من المهنيين المثقلين بهموم الدين والدنيا معاً، والمحافظين فكرياً والذين ينحون إلى اتباع السلف.

إننا ندعو إلى تعظيم دور الأزهر بتطبيق نص المادة ٧ من الدستور التى تقرر أن «الأزهر الشريف هيئة إسلامية علمية مستقلة.. وهو المرجع الأساسى فى العلوم الدينية والشؤون الإسلامية، ويتولى مسؤولية نشر الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية».

إن تعظيم دور الأزهر يكون بالرجوع به إلى سابق عهده، وتطبيق نص الدستور باعتبار الأزهر مرجعية إسلامية كبرى، حتى يُخرّج لنا فقهاء عارفين بأحكام الدين الحق ومقاصده، وينذرون قومهم إذا رجعوا إليهم.

وللحديث عن نظامنا التعليمى بقية..

------------------------
الخبر : التعليم المدنى والتعليم الدينى وبينهما متشابهات .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق