حين يصرخ الديكتاتوريون: «إنها مؤامرة!!»

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

كتب: سرديا بوبوفيتش

كنت زعيماً لإحدى الحركات الطلابية الثورية، التى سعت للإطاحة بالديكتاتور الصربى، سلوبودان ميلوسيفيتش، وهى الحركة التى تنامت مع مضى نظام «ميلوسيفيتش» القومى، الذى دفع البلاد إلى منعطف مدمر، وفى أحد أيام الربيع الدافئ، وبينما كانت الحكومة تعقد مؤتمراً صحفياً بثه التليفزيون الحكومى، ظهر 3 من الوزراء على الشاشة وأعلنوا وجود مؤامرة من صنع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «سى آى إيه» تهدف إلى الإطاحة بـ«سلوبودان»، وأنها دفعت أموالاً للنشطاء من الطلاب ليكونوا هم الأداة التى يتم من خلالها تنفيذ المؤامرة، وكانوا يقصدوننى أنا ومنظمة (OTPOR). حينها رن هاتفى، وكانت صديقتى التى تهاتفنى، ضحكت وقالت لى: «المرتزق الأجنبى، لطالما كنت أتساءل من أين أتى هذا الوزن الزائد، إذن يمكنك الآن أن تأخذنى فى رحلة تزلج على الجليد؟».

من هنا صار تنميط المعارضين ووضعهم فى قالب الدُمى التى يحركها الغرب سمة غالبة على البروباجندا الإعلامية للحاكم الصربى، ووصفنا تارة بأننا «طلاب مخدوعون»، وتارة أخرى «بيادق الغرب». بعدها أصبحت مستشاراً لعدد من الحركات الثورية السلمية حول العالم، واعتدت على مشاهدة ردود الفعل النمطية للأنظمة السلطوية، التى لم تختلف عن حالة «ميلوسيفيتش»، وجميعها كانت تدور فى فلك نظرية المؤامرة، التى دومًا ما استخدمت لدحر النشطاء المطالبين بالديمقراطية.

ففى جورجيا وأوكرانيا، تم وأد «الثورات الملونة» حين وصفت بأنها مؤامرات خارجية، وفى تركيا، اتهم المستشار المقرب للرئيس، رجب طيب أردوغان، المتظاهرين فى حديقة «جيزى» بالعمالة، وفى روسيا، اتهمت الحكومة المتظاهرين المنددين بالفساد بأنهم «زبائن سى آى إيه» أو بعبارة أخرى «عملاء الخارج»، وفى فنزويلا، كان هوجو شيفيز وخليفته يفسران كل مجريات الأحداث حولهما باعتبارها مؤامرة. وفى المجر، زعم فيكتور أوربان أن منظمات المجتمع المدنى، التى سلطت الأضواء على جوانب القصور فى حكمه «دسيسة الخارج تسعى للتخريب»، والسبب وراء هذا التوظيف لنظرية المؤامرة يكمن فى اعتقاد الحكام بنجاعتها، ولكن الحركات المنادية بالديمقراطية ليس لها أن تصاب بالإحباط أو اليأس، فهناك العديد من طرق التصدى لهذه المزاعم.

إن رواية «المؤامرة الخارجية» هذه ليست مجرد وسيلة من وسائل طمس الحقائق، فهى استراتيجية سياسية يوظفها الساسة لبلوغ أهداف محددة، أولها وأكثرها أهمية: هو إلصاق صفة «العمالة» بكل من يجرؤ على الخروج عليهم، فدوماً يرى الديكتاتوريون الانشقاق على أنه صنيعة جهات أجنبية ترمى إلى فرض قواعدها الغربية وزعزعة استقرار بلادهم، وأنها تقدم الرشاوى لمواطنيهم مقابل تنفيذ مخططات قذرة، يتحول معها المواطنون إلى مجرد دمى يمكن للجهات الأجنبية التحكم فيها وخداعها بسلاحى الوعود والمال، وتخدم هذه الاستراتيجية مهمة محددة تتمثل فى إسقاط صفة الوطنية عن المعارضين، لتصبح القاعدة هى الطاعة والتأييد، والعصيان والمعارضة خرقاً لتلك القاعدة، وانحرافاً عن الطريق، فيصبح المؤيد مواطنا طبيعيا مخلصا، والمعارض مواطنا غير طبيعى منشقا، بل وحامل لتوجهات معادية للمجتمع، وهذا من شأنه خلق فجوة تباعد بين فرق المعارضة وجموع الشعب، ويُزج بها المعارضون فى قالب واحد مع المتطرفين وحتى الإرهابيين.

هذا النوع من التكتيكات تستخدمها فقط الأنظمة التى تقوّض حرية تداول المعلومات، وتعمد إلى السرية فى إدارتها حتى للشؤون التى لا تستدعى السرية، ورغم أن هذه التكتيكات تدفع الشعوب لنبذ العمل الديمقراطى، والنشاط السياسى، فإنها تخلق فى الوقت نفسه حالة من الفتور والسخرية، ويصبح الفساد سيفا مسلطا على البلاد.

ولا تتسبب نظرية المؤامرة، ونسب أى توجهات معارضة لجهات خارجية، فى إقناع الشعوب فقط بأنه ليس من حقهم الاعتراض ومحاسبة النظام على أفعاله، بل تتسبب فى أن تحيد الشعوب عن الالتفات للقضايا الداخلية، وتحمى بقاء الأنظمة الحاكمة، ذلك أن الشعوب يؤرقها تعرض بلادها لغزو أجنبى أكثر مما تؤرقها مشكلات مثل البطالة أو الفساد.

وبرغم جهود الأنظمة الديكتاتورية، فإن الناشطين المنادين بالديمقراطية ليسوا مجردين من الحيل ولا القوة، ويمكنهم بسهولة تفنيد روايات حكوماتهم، فطالما أن النظام الحاكم يوظف البروباجندا الإعلامية لنشر رواية محددة عن الناشطين، إذن فأفضل ما يمكن للناشطين القيام به هو عدم إهدار الوقت فى محاولة كشف زيف الرواية، فهذا يعلى من أهميتها، وأفضل رد فعل هو السخرية منها، ففى صربيا مثلا، حين اتهم «ميلوسيفيتش» الناشطين بالعمالة قاموا بارتداء قمصان مكتوب عليها «المسنى فأنا مرتزق أجنبى»، ومثبت بها شارة مكتوب عليها «القبلة مجاناً... فأنا أخون البلد مقابل بضعة دولارات».

وأثناء ثورة 25 يناير، اتٌهمت الحشود التى افترشت ميدان التحرير بأنهم مأجورون يتلقون أموالاً من الخارج ووجبات سريعة، «كنتاكى»، فكان منهم أن صمموا مقاطع فيديو تسخر من تلك المزاعم، إذ يظهر فى أحد الفيديوهات مواطن وهو يرد على شخص سأله عن تاريخ اليوم فقال له «ثانية واحدة بس أبص للى بعتينهولى من إيران، انت عارف فيه أجندة إيرانية.. هو النهارده 8 فبراير بحسب الأجندة الإيرانية و9 فبراير بحسب الأجندة الأمريكية، هو فرق أجندات بس»، وطلب المواطن من شخص يحمل كاميرا أن يوجهها إلى مطعم كنتاكى الذى كان مغلقًا، ثم قال: «طبعاً أنت عارف وجباتنا كلها بتيجى من هنا، فطار وغدا وعشا، أنت شايف الناس واقفة عليه طوابير.. وعلى رأى التليفزيون المصرى دلوقتى آلاف الحشود واقفة قدام كنتاكى.. أنت عارف هو قافل ليه؟؟ من كتر الضغط.. مش ملاحق هيجيب منين؟!».

وفى روسيا، حين منعت سلطات مدينة بارناول من تنظيم مظاهرة، قام المواطنون بوضع دمى بلاستيكية فى الميدان بديلاً عن المواطنين، ما دفع السلطات إلى «حظر تظاهرات الدمى» لأن «الدمى ليسوا مواطنين روس».

الأحرى بالمنادين بالديمقراطية فى ظل حكم الديكتاتوريين أن يسلطوا الأضواء على الواقع وحقائقه التى تسعى الحكومات إلى التعتيم عليها وإغفال الشعوب عنها، وهذا بدوره سيضعف من قوة البروباجندا الإعلامية التى يوظفونها، والأكثر فاعلية من ذلك هو رد روايات المؤامرة وتغيير مسارها لتصبح موجهة ضد الأنظمة نفسها، بل وطرح روايات بديلة عن مستقبل أفضل للبلاد، وهو ما فعلته صربيا، فحين تعامل «ميلوسيفيتش» مع الوطنية باعتبارها كراهية البوسنيين والكرواتيين والألبان، فنّد الناشطون رؤيته وأفحموه، مؤكدين أن ما يزعمه يعنى «الانعزالية» وليس الوطنية، فالوطنية تعنى إرساء السلام مع الجوار وتحقيق التكامل مع أوروبا واحترام المجتمع الدولى. فى المقابل، يتعين على الحكومات الديمقراطية أن تكون أكثر واقعية وتتعلم دروسًا من حراك الشارع، سبقهم فى تعلمها الناشطون، واستقوا معظمها من الدبلوماسية العامة والاستراتيجيات الجغرافية.

وأخيراً، على الناشطين ألا ينساقوا وراء أساليب الترهيب.. اصمدوا من أجل قضاياكم. ولا تنخرطوا فى محاولات تفنيد الروايات الوهمية للأنظمة الحاكمة، وكرسوا جهودكم على تطوير رؤى بديلة تعلى من قوة بلادكم، وتحقق لها الازدهار.

ترجمة- أمانى عبدالغنى

------------------------
الخبر : حين يصرخ الديكتاتوريون: «إنها مؤامرة!!» .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق