«داعش» اللاعب وليس اللعبة

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

محمد علي فرحات نقلاً عن جريدة الحياة اللندنية

الاتهامات المتبادلة بين المتصارعين تعتبر «داعش» لعبة ينسبها كل فريق إلى الفريق الآخر. وقرأنا ونقرأ أن «داعش» يد تركيا أو صنيعة إيران أو فرع من أمن النظام السورى أو وسيلة من وسائل الولايات المتحدة، كما يتردد أنه تنظيم إسرائيلى يفتت المجتمعات العربية ويرسم للمسلمين صورة منفّرة.

ربما تبدو الاتهامات مقنعة فى محطات معينة من حروب المنطقة، لكنها سرعان ما تفقد عنصر الإقناع، حين يدعم «داعش» فجأة مَن كنا نظنّهم أعداءه المعلنين.

الواقع أن «داعش» لاعب وليس لعبة، على رغم حداثة نشوئه وإعلان «خليفته»، وهو يظهر فى صورة اللعبة، لأنه بذلك يكرّس وجوده ويتوسّع من خلال خلافات تحوّلت إلى ما يشبه الحروب الإلغائية.

انطلق التنظيم فى العراق فى عامى 2009 و2010 بجهود أيديولوجيين من جماعة الزرقاوى عقب مقتله، ومعظم هؤلاء من العراق ومعهم عناصر قليلة سورية ومصرية لم تستطع الهرب بعد هجوم الصحوات، فانتشرت فى مدن الأنبار وقراها. وشكّلت سياسة نورى المالكى الطائفية عام 2011 وبدء الانسحاب الأمريكى فرصة لعودة نواة «داعش» إلى المدن السنّية المتذمّرة، وهنا بدأ انضمام ضباط عراقيين أعطوا خبرتهم إلى التنظيم. ولم يكن العراق مؤهلاً لتوسُّع «داعش»، فانتقل معظم عناصره إلى مناطق سورية خاضعة لسيطرة ثوار، من بينهم «جبهة النصرة» التى لم ترحب بهم، فيما استقبلهم سائر الثوار بترحيب، وتعهّدت نموّهم تركيا، خصوصاً بعد إعلان واشنطن «النصرة» عام 2013 تنظيماً إرهابياً. كانت أنقرة فى حاجة إلى ورقة ضغط فى سوريا والعراق من دون أن تلوِّث يدها مباشرة، وقد أثبت «داعش» منذ انطلاقه قدرة تنظيمية، ولم يتسبب فى تنفير اللاعبين إلا بعد إعلانه «الخلافة»، فتنبّه الجميع إلى خطورته، وكفّت تركيا يدها عنه بعدما صار فتيّاً وقادراً.

«داعش» لاعب واضح فى خريطة المنطقة نتيجة اختلاف الأولويات بين القوى الإقليمية والدولية، وهو يدخل من خلال هذه الأولويات ليتوسّع، مستغلاً الصراع التركى- الإيرانى الحاد وغير المعلن، واعتقاد روسيا أنها تستطيع الحسم فى سوريا لمصلحة النظام، وأولوية طهران فى الاستيلاء على لبنان والسيطرة بحدود ما فى سوريا والعراق.

وتبدو الاتهامات المتبادلة بين اللاعبين حقيقية، حين نرى «داعش» يخدم تركيا هنا ويخذلها هناك، والأمر نفسه يحدث مع إيران والنظام السورى. وحدهما الولايات المتحدة وغالبية الأكراد تدعوان لضرب «داعش» بقسوة وتمارسان ذلك حين تدعو الضرورة.

أما آلية الخدمات المتناقضة التى يقدّمها «داعش»، فتقترحها طبقات التنظيم، وتنفّذها بعد موافقة القيادة، وهى قيادة حديدية استطاعت النجاح باللعب على أولويات المتصارعين الكبار.

وتبدو تناقضات ليبيا اللعبة الجديدة لـ«داعش»، الذى يهدد بالسيطرة على مصادر النفط والامتداد فى أفريقيا، مستغلاً إعطاء الولايات المتحدة وكالة التدخُّل إلى أوروبا ومصر، وكلتاهما تتردد وتحاول التأثير من خلال نزاعات ليبية- ليبية بلا أفق، فالسياسيون الليبيون فقدوا دولتهم فجأة، فانكفأ بعضهم واعتزل، فيما يتحرك الآخرون بالاستناد إلى هذه أو تلك من الدول التى تحاول التأثير، مثل إيطاليا وفرنسا ومصر ودولة الإمارات وقطر والجزائر. وهنا تتناقض المصالح أو تتفق، وتبقى وجوه ليبيا عاجزة عن الاجتماع فى وجه واحد.

كنتُ قد طلبتُ من باحثة ليبية مقيمة فى فرنسا مقالاً عن أحوال بلدها فى المرحلة الأخيرة، فاعتذرت مرات عدة، وفى مطلع الأسبوع، أرسَلَتْ هذه الكلمات: «تشرق الشمس على ليبيا كما تشرق على أى مريض. هى فى غرفة إنعاش ذات نافذة وحيدة مفتوحة على سماء الله».

------------------------
الخبر : «داعش» اللاعب وليس اللعبة .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق