عاجل

الأردن.. وما أحلى الرجوع إليه!

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

رغم انطباع معظم العرب عن الأردن، كأحد أصغر البُلدان العربية، إلا أنه فى الواقع من أكبرها مساحة (89.000 كليو متر مربع)، وأكثر سُكاناً (7 ملايين نسمة) عن نصف البُلدان العربية الشقيقة.

وأهم من حجم المساحة والسُكان، هو أن هذا البلد الشقيق هو ثانى أعلى البُلدان العربية من حيث مستوى التعليم (بعد لبنان)، ومن أعلاها دخلاً (متوسط الدخل الفردى 7.000 دولار سنوياً). وهو الأكثر استقراراً سياسياً وأمنياً فى المشرق العربى (الذى يشمل فلسطين وسوريا، ولبنان، والعِراق). فبينما شهدت كل بُلدان المشرق صراعات داخلية مُسلحة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، ظل الأردن خالياً من تلك الصراعات.

وتربطنى بالأردن علاقة مُعقدة، بدأت بمُشاركتى متطوعاً فى صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التى كان يقودها الدكتور جورج حبش، بعد هزيمة 1967، والتى كانت قاعدتها وكوادرها تتخذ من الأردن نقاط انطلاق فى النضال المُسلح ضد إسرائيل، وقواتها المُحتلة للضفة الغربية. وحينما ساءت العلاقات بين الفلسطينيين والنظام الهاشمى الحاكم، وانفجر الخلاف إلى صِراع مُسلح فى سبتمبر (أيلول) 1970، والذى انتهى بطرد كل فصائل المُقاومة من الأردن، كنت أحد من خرج معها من عمان، ثم من الأردن. وكان طبيعياً بالنسبة لجيلى من الشباب العربى فى ذلك الوقت مُناصبة العداء للنظام الهاشمى الحاكم، وكتبت فى تلك الفترة عشرات المقالات المُعادية لذلك النظام، واتهامه بالعمالة للغرب، والخيانة للقضية الفلسطينية.

لذلك استغربت جداً، حينما دعانى الأمير الحسن بن طلال، والذى كان وقتها ولى عهد المملكة الأردنية، إلى لقاء فى عمّان، ثم عرضه وإلحاحه علىّ أن أقبل عضوية، ثم أمانة منتدى الفكر العربى، الذى جمع بين ثلاث فئات مختلفة، وهى أصحاب الأفكار وأصحاب القرار وأصحاب التنفيذ. وكان ذلك فى أعقاب دراسة لى نُشرت فى ذلك الوقت بعنوان: «تجسير الفجوة بين المُثقف والأمير». ورغم أننى لم أكن أقصد فى تلك الدراسة مُفكراً بعينه، أو أميراً بعينه، وإنما كانت تلك المصطلحات على سبيل الكناية.

وبعد وساطة من السيد محمود رياض، الأمين العام السابق للجامعة العربية فى ذلك الوقت، قبلت أن أشغل موقع أمين عام منتدى الفكر العربى، الذى كان يرأسه الأمير الحسن نفسه، وكان الأستاذ محمود رياض نفسه نائباً له.

وقضيت فى هذا الموقع خمس سنوات، 1985-1990، عشتها فى العاصمة الأردنية عمّان، وخلالها تعلمت الكثير عن المملكة الهاشمية الأردنية، وعن شعبها، كما توطدت العلاقات بينى وبين المُثقفين الأردنيين، والفلسطينيين والعِراقيين والسوريين واللبنانيين، الذين كانوا يعيشون فى الأردن فى تلك السنوات. وهناك اكتشفت واستغربت النزعة العروبية القومية الشديدة للأسرة المالكة، إلى أن شرح لى السيد محمود رياض ما خفى علىّ فى حينه. من ذلك أن تلك الأسرة الهاشمية تستمد شرعيتها من انحدارها من البيت النبوى الشريف، من النسل الحُسينى وأبناء فاطمة الزهراء، وأنهم ظلوا يحكمون مكة الشريفة لعشرة قرون مُتصلة، إلى أن أجبرهم آل سعود على الرحيل من مكة. فحاولت بريطانيا أن تُرضى أبناء الشريف حُسين، التى حنثت بوعودها له (مُحادثات الحُسين ـ مكماهون). فرتبت حُكماً لأحد أبنائه، وهو الأمير عبدالله بن الحُسين، أن يكون ملكاً لشرق الأردن، وللابن الآخر، وهو فيصل بن الحُسين، أن يكون ملكاً للعِراق، حيث كان البلدان تحت الانتداب البريطانى، ضمن تسويات مُعاهدة فرساى، بعد الحرب العالمية الأولى.

المهم لموضوعنا أن الأسرة الهاشمية لم تكن بالسوء الذى صورته الدعاية المصرية فى عهد عبدالناصر، خلال الحرب الباردة العربية. ومما قاله لى ّ السيد محمود رياض، وأدهشنى وقتها، أن عبدالناصر كان مُحباً ومُعجباً بالملك حسين، لشهامته وصدقه، فهو لم يحنث أبداً بوعد قطعه على نفسه، سواء لعبدالناصر أو لغيره من القادة العرب.

وكانت السنوات الخمس التى قضيتها فى الأردن، من أكثر سنوات عُمرى إنجازاً على مستوى الفكر والمُمارسة. فعلى مستوى الفكر، أسهمت فى جعل مُنتدى الفكر العربى، أهم مؤسسة فكرية عربية غير حكومية، من حيث تناول أهم قضايا الأمة العربية، دراسة فى الحاضر واستشرافاً للمستقبل، بل إن مُصطلح «الاستشراف» نفسه، كما مصطلحات، مثل «الشفافية»، و«المُحاسبية»، و«الحوكمة»، نبتت فى أروقة منتدى الفكر العربى، حيث عُقدت حولها الندوات والمؤتمرات وحلقات البحث، وصدر حولها مائة كتاب، بمُعدل عشرين كتاباً سنوياً. هذا فضلاً عن النشرة (المجلة) الشهرية، التى حملت عنوان «المُنتدى»، ورأس تحريرها فى حينه المُفكر/ المُحاسب فهد الفانك. وهذه هى نفس المؤسسة التى تتالى على أمانتها العامة بعد ذلك المُفكر المغربى على أومليل، الذى أصبح فيما بعد سفيراً لبلاده فى مصر، ثم وزيراً للخارجية. كذلك شغل نفس الموقع فيما بعد مُفكر مصرى مرموق، هو السيد يس.

وعلى نفس المستوى الفكرى أنجزت موسوعة عن «المِلل والنِحل والأقليات فى الوطن العربى»، فى حوالى ألف صفحة، والتى ظلت طوال العقدين التاليين، هى المرجع الوحيد عن الموضوع منذ كتاب الشهرستانى قبلها بألف سنة!

وعلى مستوى المُمارسة العملية، كانت سنوات إقامتى وعملى فى الأردن، هى السنوات التى تحققت فيها عودة مصر إلى الصف العربى، بعد سنوات عُزلتها، لتوقيعها مُعاهدة كامب دافيد مع إسرائيل، وانتقال الأمانة العامة لجامعة الدول العربية إلى تونس. وأكثر من ذلك كان مُنتدى الفكر العربى هو الحاضنة الفكرية لمجالس التعاون العربية الإقليمية، التى تحركت خطوة إلى الأمام، وقفزة إلى أعلى من الجامعة العربية فى ثمانينيات القرن العشرين، والتى كان أهمها مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ومجلس التعاون المغاربى، الذى ضم تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، ومجلس الخليج العربى، الذى ضم مصر والأردن والعِراق واليمن. صحيح أن هذا الأخير قد أُجهض بعد ثلاث سنوات، نتيجة غزو صدام حسين للكويت، ولكنه خلال حياته القصيرة شهد انتقال ثلاثة ملايين مصرى إلى العِراق، ساهمت هجرتهم المؤقتة فى تخفيف الضغط السُكانى على موارد مصر المحدودة، كما أسهم فى زيادة دخلها القومى من العُملات الصعبة. وساعدت تلك الهجرة المؤقتة فى تنشيط حركة السفر والملاحة، بين ميناء العقبة الأردنى، وشرم الشيخ، ودهب والسويس المصرية.

لكل تلك الأسباب حملت فى قلبى وعقلى أطيب الذكريات عن الأردن. وحينما عُدت لزيارته فى أوائل هذا العام (2016)، بمُناسبة انعقاد المؤتمر السنوى لجامعة بيل الأمريكية عن الشرق الأوسط، لمست تقدماً عُمرانياً غير مسبوق. ولكن أيضاً سمعت عن، ورأيت بعينى ازدحاماً وتكدساً سُكانياً غير مسبوق فى العاصمة الأردنية، عمّان، وفى بقية المُدن الأردنية. وذلك لأن الأردن يُجاور فلسطين، وسوريا، والعِراق، ومصر، والسعودية. وفى العقود الأربعة الأخيرة، كانت أربعة من تلك البُلدان طاردة للسُكان، بسبب شُح الموارد، أو الحروب والاضطرابات المُسلحة.

ولأن النُخبة الأردنية الحاكمة هى صاحبة أول مشروع عربى وحدوى، منذ أيام الشريف حسين، فإنها قررت ألا تقفل أبوابها أو حدودها فى وجوه أى عرب يلجأون إليها. وهو ما أدى إلى رضا سُكان الأردن عنه فى السنوات العشر الأخيرة. من ذلك أنها أكبر مُستقبل للاجئين السوريين، الذين وصل عددهم إلى مليونين. كما كانت منذ ستين عاماً أكبر مُستقبل للاجئين الفلسطينيين. وأظن أن الجامعة العربية ومنظمات الإغاثة الدولية قد أدركت الأعباء الثقيلة التى يتحملها الأردن. ولكن المُساعدات التى تأتى من هذه الأطراف أقل بكثير مما يحتاجه الأردن، للاستمرار فى أداء هذا العبء الإنسانى الهائل.

اللهم قد بلغت.. اللهم فاشهد.

وعلى الله قصد السبيل.

semibrahim@gmail.com

------------------------
الخبر : الأردن.. وما أحلى الرجوع إليه! .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق