أفى شتاينبرج يكتب .. الكوميديون فى نعيم

0 تعليق 15 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

من اعتاد من متابعى أحداث الشرق الأوسط مشاهدة أخبار القتل والتفجيرات على شاشات التليفزيون، يعتبر خبر حظر كتاب من النشر ضمن الأخبار الجيدة، ولكن خبرا كهذا يعد اعترافاً واضحاً بأن الأدب يمتلك القوة التى يمكنها إحداث التغيير فى المجتمع دون إطلاق رصاصة واحدة، ولو أن الكتب التى تضع تصوراً للسلام لايزال يمكنها أن تبث الخوف فى أنفس دعاة الحرب، أفلا يعد هذا بارقة أمل لنا؟

أم أن هذا تفاؤلا مبالغا فيه؟ ما الذى يمكن فعله إزاء الجدل الذى أثير مؤخراً بعد قرار وزارة التعليم الإسرائيلية استبعاد رواية «حياة على الحدود» (Border Life)، للكاتب اليهودى دوريت رابنيان، من المقرر الدراسى لطلاب الثانوى؟ لقد اعترضت الوزارة على الرواية باعتبارها «تمثل تهديداً للهوية اليهودية»، إذ أنها تحكى عن قصة حب رومانسية جمعت بين سيدة يهودية من إسرائيل ورجل فلسطينى، وهل كان قرار المنع دافعًا للرأى العام الذى جعل الكتاب ضمن الكتب الأكثر مبيعاً بين عشية وضحاها؟

إن ما حدث فى حالة «حياة على الحدود» يؤكد تطور قوة الأدب وقدرته على التغيير، ولو أمعنا النظر فى الماضى القريب، وانتقلنا إلى مثال آخر، سنكتشف هذه الحقيقة متجسدة فى كتاب آخر مثير للجدل ألفه الكاتب المصرى على سالم بعنوان «رحلة إلى إسرائيل»، الصادر عام 1995، والذى تمت ترجمته من العربية إلى العبرية، إذ يحكى عن رحلة انطلق فيها «سالم» بسيارته دون أن يخبر أسرته، عبر شبه جزيرة سيناء حتى وصل إلى الحدود المصرية -الإسرائيلية، فعبر حدودها ومكث داخلها 23 يوماً. وبمجرد عودته من رحلته ونشره الرواية، ثارت ضده موجة من الغضب والاستياء، وتم إدراجه بالقائمة السوداء من جانب المؤسسات الأدبية فى مصر، ولكن كتابه هو الآخر كان ضمن قائمة الأكثر مبيعاً.

كانت رحلة سالم خلال عقد التسعينيات، أى بعد فترة قصيرة من تفعيل اتفاق أوسلو، ولكن كيف تقرأ «رحلة إلى إسرائيل» اليوم، بعد 20 عامًا على صدورها، وبعدما تغيرت الخريطة السياسية للشرق الأوسط؟ وما هو الجدل الذى يمكن أن يثار بشأنها؟

خلال رحلته لإسرائيل لعب «سالم» دور السائح الحائر والضيف الأدبى، زار المواقع وتعامل مع عرب ويهود إسرائيليين، وألقى محاضرات فى الجامعات التى زارها لطلاب الأدب العربى المعاصر، والذين عرفوه بمسرحياته التى مزجت بين التراجيديا والكوميديا، وكتاباته التى تناولت السياسات المصرية بصبغة ساخرة عبثية. وفى الفندق الذى أقام فيه، تعجب سالم من حجم وتنوع وجبات الإفطار التى وصفها فى سياق تراجيدى للتاريخ اليهودى، قائلاً: «أهم ما ميز وجبة الإفطار هو ذلك الخليط من مشاعر عدم الأمان، فلا أحد يعلم ما سيأتيه فى اللحظة القادمة». وكان اللقاء بغرباء الطريق هو أبرز وأهم ما واجهه «سالم» فى رحلته، فعلى الحدود تناقش مع جندى بشأن الفرق بين السفر إلى إسرائيل بغرض «السياحة» أو السفر كـ«زائر»، فنصحه الجندى بأن يقول إنه يريد الدخول إلى إسرائيل بغرض السياحة، ولكنه قبل أن يخرج من سيارته وتطأ قدمه أرض إسرائيل اقترب منه صبى وعرض عليه تثبيت ملصق به شعار سياسى مكتوب فسأله «سالم» باللغة الإنجليزية: «ما المكتوب بالعبرية على الملصق؟»، فأجابه الصبى: «شعب الجولان»، فسأله «سالم»: «وما شأنهم؟»، ولكن معرفة الصبى باللغة الإنجليزية لم تمكنه من الرد، فكرر «سالم» السؤال بصيغة أخرى وقال له: «هل تريدهم هنا؟»، فأجابه الصبى: «نعم»، فحمد «سالم» الله، إذ أدرك أن الصبى يتمنى انسحاب إسرائيل من الجولان، فدعمه قائلًا: «إذن قم بتثبيتها»، بعدها اكتشف سالم أن الشعار المكتوب بالملصق يعنى عكس ما أخبره به الصبى تماماً، بل كان ينادى باستمرار إسرائيل فى السيطرة على هضبة الجولان، فقام «سالم» بنزعه.

وفى وصفه لترحاله، استخدم «سالم» نبرة واقعية جعلت سرده أقرب للتقرير بداية من عنوان الرواية المجرد من الحيوية، ولعل السبب فى هذا هو خلو الرحلة من النمطية، فالمصريون لا ينطلقون فى رحلات إلى إسرائيل، والكتاب لم يرق لزملاء «سالم» من المثقفين، الذين اتهموه بالترويج للتطبيع مع العدو، ذلك أن اتفاق السلام الذى وقع بين البلدين عام 1979، لم يمنع المصريين من إصرارهم على مقاطعة إسرائيل وكل ما يتعلق بها. ومازالت مصر حتى اليوم أرضا خصبة لمشاهدة الجدالات السياسية المثارة عن التواصل الثقافى والاقتصادى مع إسرائيل، والتى لا تخلو من الاستشهاد بما ورد فى كتاب «بروتوكولات حكماء صهيون»، رغم زيف تلك الوثيقة.

بسبب زيارته إسرائيل تم استبعاد «سالم» من «اتحاد الكتاب»، ووصفته بعض الصحف بأنه «عميل لإسرائيل»، حتى إن صديقًا له أخبره أنه حضر أحد اللقاءات الأدبية حيث أشير إلى أن اسم سالم وأى من أفراد أسرته سيمحى من أى جمعيات ثقافية أو فنية أو أدبية، وإلى جانب العداء الاجتماعى، كان التهديد بالعنف حاضراً، ففى العام الذى قام به «سالم» برحلته إلى إسرائيل طُعن الأديب العالمى نجيب محفوظ من قبل أحد الإسلاميين فى القاهرة. وكان سالم يعلم أنه سيثير رد الفعل هذا، ولهذا تخير كلمة «رحلة» ليبدأ بها العنوان، إذ كان يشعر أن مقاطعة إسرائيل حتى من جانب الفنانين والأدباء، وخاصة بعد «أوسلو»، أمر رجعى وغير مثمر، إذ كان يرى أن الاتفاقات الموقعة بين البلدين لابد أن يقابلها دعم من جانب الكتاب والأدباء.

وعلى مستوى جمهور القرار كان للفضول اليد الطولى والغلبة على الأيديولوجيا، وباءت محاولات تشويه سمعة «سالم» بالفشل، بعد أن حقق الكتاب أكبر المبيعات، وتم إدراج اسم «سالم» مرة أخرى فى «اتحاد الكتاب» بحكم قضائى، وعلى مدار العشرين عامًا التالية وحتى قبل وفاته فى سبتمبر 2015، استمر سالم فى زيارته لإسرائيل، ومضى قدمًا فى الحديث عن مواطن الإيجاب فى تطبيع العلاقات باعتباره الحل الأوحد لتحقيق السلام، وحذا حذوه البعض بمن فيهم المدون والناشط مايكل نبيل سند، الذى قام بزيارة إسرائيل عام 2012، والذى أخبرنى فى مكالمة هاتفية أن كتاب «سالم» كان له «بالغ التأثير» على تفكيره بشان السياسات الإقليمية.

وفى مايو الماضى وثق ماجد فرج، مؤرخ العصر الحديث، رحلته إلى إسرائيل وأثار الجدل بعد عودته منها، حين أطلق تصريحات تؤيد توثيق العلاقات مع إسرائيل، ولكن يظل «سالم» هو الشخص الوحيد الذى تحلى بالجرأة وعبر الحدود بسيارته، حيث وجد الكاتب المسرحى أن استخدام سيارة فى الرحلة يبلور رسالته بشكل أفضل ويمنحها طابعًا دراميًا، فهو لم يكن مجرد سائح أجنبى يقصد إسرائيل وإنما جار قريب من حدودها. كان يرغب أن يرى كل الإسرائيلين تأشيرته المصرية، ويعلموا أنه دخل إلى حدودهم بسيارته، كان يريد أن يعرض المبدأ السياسى الذى ينادى بـ«الاعتراف» بشعب آخر، فى صورة حالة من التفاعل الأدبى والمادى بين الأفراد، وكان يرغب أن يتبنى القارئ العربى وجهة نظره. وعزز من أداء سالم الدرامى فى مسرحيته أن السيارة التى استخدمها فى تلك الرحلة هى سيارة «نيفا» خضراء اللون، والتى يعتبرها سالم أقوى ما أنتجه الاتحاد السوفيتى، وفى منتصف عقد التسعينيات كان مجتمع ما بعد الاشتراكية فى إسرائيل يسعى بشغف للانتقال إلى الرأسمالية الاستهلاكية، ومن ثم كانت سيارة سالم كئيبة المظهر أشبه بأضحوكة. حتى إن الغرباء الذين قابلهم داخل إسرائيل ظهرت عليهم علامات القلق والعجب، أكثر مما ظهرت عليهم علامات الخوف والشعور بالخطر، أبدوا تعاطفًا إزاءه أكثر مما أظهروا تشككاً فى هويته، ويبدو أن السخرية والفكاهة هى المبعوث الدبلوماسى الأكثر فاعلية على الإطلاق فى التواصل.

نقلًا عن صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية

------------------------
الخبر : أفى شتاينبرج يكتب .. الكوميديون فى نعيم .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق