لا نرى إلا أنفسنا

0 تعليق 4 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

طول عمرنا ونحن مشغولون بأنفسنا عن العالمين ونظن أن الدنيا أيضاً مشغولة بنا بذات الدرجة. مسألة غريبة حقاً أننا ننظر إلى داخل أنفسنا ولا نرنو بأنظارنا إلى العالم الخارجى إلا لنتهمه بأنه يتآمر علينا. إحساسنا بالذات متضخم، ونظن أن الكون كله معلق بإشارة من أصابعنا، كما نعتقد أن سكان الكرة الأرضية لا ينامون قبل أن يعرفوا آخر أخبارنا!. نتيجة لهذا أصبحت صحفنا وقنواتنا الفضائية شديدة المحلية لدرجة أن الأحداث العربية والعالمية الهامة لا تجد كاتب مقال أو عمود رأى يتناولها إلا فيما ندر.

هل يصدق أحد أننا فى مصر ومع كل حبنا لكرة القدم ومتابعتنا للمسابقات الأفريقية من أبطال الكؤوس وأبطال الدورى التى يشارك بها الأهلى والزمالك لا نتابع مجريات البطولة ولا نعرف حتى اسم الفريق الفائز بها إذا خلت البطولة من الفرق المصرية!. نحن نعرف فقط البطولات التى نفوز بها ونهلل للفوز تهليلاً كبيراً، كما نتصور أن الدنيا كلها تتابعها معنا.. أما إذا انهزمنا وودعنا البطولة مبكراً فإن الصحافة الرياضية لدينا لا تكلف نفسها بتغطية البطولة أو تعريفنا بالفريق الفائز اللهم إلا فى خبر صغير تفوت قراءته على معظم الناس.. هذا مع العلم أننا لا نكف عن التشدق بالانتماء الأفريقى والريادة فى القارة مع أن تصرفاتنا لا توحى بأى ريادة، إنما بالتمحور حول الذات والانشغال بالانتصارات الصغيرة التى نتصورها فتوحات يتحدث عنها العالم.

وعندما فاز نجيب محفوظ بجائزة نوبل فى الآداب عام 88 فإن فرحتنا به كانت أمراً طبيعياً وقد فاقت أى فرحة أخرى عاشها شعب فاز أحد أبنائه بنوبل فى الآداب، وقد تصورنا وقتها أن كل إنسان على ظهر الأرض قد بلغه الخبر السعيد وأصبح يعرف الأديب المصرى الكبير، مع أن هذا غير صحيح بالمرة، لأن هذه الأخبار تهم قراء الأدب العالمى فقط ولا يحفل بها المواطن العادى.. ومثال ذلك أن المواطن المصرى لم يعرف أبداً اسم الفائز بنفس الجائزة فى السنوات التى سبقت فوز محفوظ بها أو فى السنوات التالية لفوزه، لكننا لا نتصور هذا أبداً ولا نجد مانعاً من أن تنساق الصحف فى التشهير بالممثلة الأمريكية دونا ميلز بطلة مسلسل «نوتس لاندنج» التى حضرت مهرجان القاهرة السينمائى فى مطلع التسعينيات، وعندما سألوها عن نجيب محفوظ لم تعرف من يكون، فتم سلقها ووصفها بالجهل، وفاتهم أن الفنانين العرب والمصريين أو معظمهم على الأقل لم يعرفوا الفائز بالجائزة فى أى سنة من السنين باستثناء عام 88 حين فاز بها محفوظ.. ومن المستغرب أن تعثر بينهم على شخص واحد يعرف من يكون أوكتافيو باث أو جونتر جراس أو وول سوينكا أو أورهان باموق. ويبدو لى أن السبب وراء هذه الحالة يكمن فى أن إنجازاتنا الحقيقية شحيحة للغاية وإسهامنا فى الحضارة الإنسانية متوقف منذ ألف عام، وقد زاد أن الدولة المصرية أصبحت تشبه الطفل الأنانى السخيف الذى يعتبر فوز الآخرين خبراً سيئاً يستحق التجاهل عوضاً عن الفشل الذى يحققه كل يوم، ومع هذا فإن هذا الطفل تسير وراءه زفة إعلامية تجعل من نزول الريالة على ملابسه خبراً هاماً يستحق الإشادة!.

------------------------
الخبر : لا نرى إلا أنفسنا .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق