الجريمة الكاملة

0 تعليق 3 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

كان دائما ما يقول لأخيه فى حنق:

«هذا الوحش الذى تؤويه تحت سقف بيتك، سوف يقتلك يوما، وسترى».

■ ■ ■

الأستاذ فريد صاحب هذه المزرعة كان مشهورا بقلبه الطيب. لم يُنجب، وهكذا تبين أن المزرعة ستؤول لشقيقه الأصغر مراد، الذى اشتُهر بالقسوة والتهور.

ورغم أن جميع العاملين كانوا يكرهون مراد لقسوته وتعاليه فإنهم كانوا لا يشكون لفريد إلا نادرا، لأنه كان يحب أخاه، ولأنه كان يفتقد الحزم بعد تدهور صحته. نقطة الخلاف الوحيدة مع مراد هى ما يتعلق بصابر، الصبى الأعمى الأصم، كبير الحجم بشكل غير معتاد، والذى التقطه فريد من الطرقات وعطف عليه عطفا بالغا.

ومرت السنون، وشبّ صابر واكتسب قوة هائلة مدمرة. وتعلم الجميع أنه لا مجال للمزاح معه، إذ كانت تخرج القوى الهائلة من عقالها لو لمسه أى شخص، باستثناء الأستاذ فريد وحده. كان يتعرف على الأشياء بالرائحة، ولم يكن أحد يدرى سره المغلق فى سجن الحواس المعطلة.

لحظات السعادة الوحيدة التى استشعرها صابر كانت فى نزهته اليومية بين أشجار البرتقال التى تفوح منها إبان الربيع رائحة قوية. تلك كانت اللحظات القليلة فى حياة صابر التى يبدو فيها كإنسان خلف قناع الوحش الأبكم.

■ ■ ■

ولم يكن شىء يشغل بال عم فريد فى أيامه الأخيرة مثل مَن سيرعى صابر بعده! مراد يبدو بوضوح أنه يمقته. وأكثر ما أثار قلقه أن هناك علامات ضرب بالسياط تبدو على جلده. اهتاج عم فريد كثيرا، وحاول الوصول للفاعل، لكن عمال المزرعة التزموا الصمت، الأمر الذى جعله يرتاب أن أخاه مراد هو الذى يقترف الفعل الشنيع، خصوصا أن صابر يهتاج كلما اقترب مراد وشم رائحته.

ويبدو على ملامح عم فريد الطيب حزن ثقيل، ويبدو حائراً: مَن سيرعى صابر بعد وفاته؟

■ ■ ■

مات عم فريد وتحققت نبوءة مراد ذات ليلة مشؤومة. بعد وعكة ألَمَّت به شعر ببعض التحسن، وشجعه أخوه مراد على النزول للحديقة. ورغم ملامح الإرهاق التى ارتسمت على وجهه العجوز الطيب فقد بدا سعيدا بالجلوس بين الأشجار التى أحبها.

بعدها ترتبك الروايات. يتهامس الخدم بأن الطقس ظل معتدلا ولم يكن هناك مبرر أن يخلع مراد سترته ويصر أن يرتديها عم فريد الذى بدا مشوشا. يتهامسون أيضا أن مراد اقترح على أخيه فريد أن يذهب لزيارة صابر فى حجرته.

لم يستغرق الأمر أكثر من دقيقتين حتى سقط عم فريد مفارقا الحياة وغارقا فى دمائه تحت هجمات صابر الشرسة. يبرر مراد تخاذله فى الدفاع عن أخيه بأنه كان سيُقتل هو الآخر. ولا قِبَل لأحد بأن يكبح جماح القوة المدمرة التى كثيرا ما حذر أخاه منها. وأوضح لوكيل النيابة أن نبوءته تحققت.

الكل كانوا يعلمون الحقيقة. حتى وكيل النيابة شاهدها بوضوح شديد، لكنه لم يستطع أن يفعل شيئا. لقد تعمد مراد تعذيب صابر الذى كان يتمتع بحاسة شم هائلة، فى غفلة من أخيه. وظل الفتى ينتظر فرصته فى الانتقام، وحين دخل عليه فريد مرتديا جاكتة مراد وتفوح منها رائحته فإن قوته المدمرة انطلقت من عقالها فأردته قتيلا.

كان المشهد يقطع القلب حين أدرك صابر خطأه الشنيع وراح يتحسس وجه عم فريد، وينتحب انتحابا شديدا.

أُودع صابر المصحة العقلية، وآلت المزرعة إلى مراد، وأُقفل المحضر دون توجيه أى اتهام، فى انتظار محكمة السماء التى لا يمكن خداعها.

------------------------
الخبر : الجريمة الكاملة .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق