لن أعيش بجينات أبي وأمي

0 تعليق 4 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

يسعي الابن طوال حلقات المسلسل التليفزيوني المتميز "لن أعيش في جلباب أبي" لأن يفعل أي شيء يبعده عن مهنة والده، ولكنه يفشل في النهاية في كافه محاولاته للخروج من جلباب الأب، ولا يصادفه النجاح إلا في التجارة وهي مهنة والده، وهنا يبدو الأمر كأنه "قدر" و"وعد ومكتوب" بأن يرث الأبناء ما يؤهلهم من قدرات وسلوكيات ليعملوا بنفس مهنة الآباء، وبالطبع فإن الواقع بما فيه من أمثلة عديدة لا يؤكد ذلك، مثلاً والد الكوميديان الرائع فؤاد المهندس كان عميداً لكلية دار العلوم، وأسطورة السياسة والحكم في بريطانيا مارجريت تاتشر كان والدها بقالاً، أما عالم الفيزياء والرياضيات الأشهر إسحق نيوتن فقد كان والده مزارعاً!!

مع التطور الهائل في علم الوراثة منذ منتصف القرن الماضي و إستكمال مشروع الجينوم البشري في مطالع القرن الحالي، بدا للجميع أن الجينات هي الأساس في كل ما لدينا من صفات جسدية أو سلوكيه، وتطور الأمر إلي ظهور ما يعرف بالعلاج الجيني والذي يمكن من خلاله علاج بعض الأمراض بتصحيح العيوب في الجينات المسئولة عنها (مثل أمراض العيون). إلا أن التأمل في بعض الظواهر الطبية والحياتيه يجعلنا ندرك أن الأمر ليس كله "جينياً"!!

فقد تمتلك جيناً أو مجموعة من الجينات التي تؤدي إلي الإصابة بمرض ما ولكنك لا تصاب به طالما أبتعدت عن مسبباته، ومن ناحية أخري فقد تتعرض لمسببات المرض ولكنه لاينال منك ما دمت لاتمتلك الجين أو الجينات المسئولة عنه، وذلك كما يحدث مع بعض المدخنين الذين قد يصابون بالسرطان بعد بضعة سنوات من التدخين، وآخرون لا يصيبهم سوي بعض المتاعب في الرئتين والتنفس والفم وضغط الدم والصحة العامة والمناعة و..و...و.. ولكنهم لا يصابون في النهاية بالسرطان!!

ولذا فإنه لظهور أيه صفة صحية أو مرضية فإنه لابد من توافر كل من الجينات والظروف البيئة المواتيه، وقد ظل هذا المفهوم واضحاً ولكن لم يتم التعرف علي آليات حدوثه في الخلايا، إلا أن ظهر في الأفق العلمي ما يعرف بما "فوق الوراثة" أو "الايبيجينتك" (Epigenetic) وهو مفهوم علمي جديد يوضح لنا أن أداء الجينات لا يتوقف فقط علي تركيب المادة المصنوعة منها وهي "الدنا" (DNA) بل إن هناك مركبات أخري مثل مجاميع عضوية صغيرة الحجم نسبياً تسمي الميثيل، أو جزيئات بروتين كبيرة الحجم تسمي الهستونات، يمكنها الإرتباط بالدنا والتأثير علي فاعلية الجينات، حيث تعمل مجاميع الميثيل علي إيقاف عمل الجينات، أما الهستونات فقد توقف من عمل الجينات أيضاً أو تساعد علي نشاطها وقيامها بإظهار الصفات المسئولة عنها، وذلك تبعاً لما يحدث للهستونات من تغيرات في تركيبها الكيماوي، وهناك العديد من الجينات في الخلايا التي يتأثر أداؤها بمركبات الميثيل والهستونات، والكثير منها يرتبط بالإصابة بأمراض مهمة مثل السرطان وأمراض القلب وتصلب الشرايين والسكري والشلل الرعاش والزهايمر والأمراض العقلية، ومن المعتقد أن هذه المركبات قد تلعب دور الوسيط بين البيئة والجينات، أي أنها قد تتأثر بما نأكله ونشربه ونمارسه من رياضية بدنية وبعدد ساعات النوم وتنقل ذلك التأثر إلي الجينات، ومن هنا فيمكن للجميع أن يبدأو اللعب مع جيناتهم، والتحكم فيها، إما أن يحافظوا علي ما توراثوه من آبائهم وإما أن يتمردوا علي أقدارهم الجينية.

------------------------
الخبر : لن أعيش بجينات أبي وأمي .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق