عاجل

حريق القاهرة.. ومدرسة شريف عارف

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

الحرق بالنار عقوبة اختص الله بها نفسه دون سواه، وجعلها في الآخرة فحسب، ولم يبحها لنبى من أنبيائه ولا لولى من أوليائه، حتى إن الله سبحانه لام على نبى حرق قرية من النمل لأن نملة قرصته معاتباً له: «هلا نملة واحدة»، ولوم الله شديد وصعب حتى لو كان في نملة، فالأنبياء يستغفرون الله ليس من الصغائر ولا الكبائر ولكنهم يستغفرون الله من مجرد الغفلة عن الله، والنملة رغم صغرها في ميزان الناس إلا أنها كبيرة في ميزان الله ومقاييس السماء الدقيقة، وحياتها تستحق أن تتحرك من أجلها السماء لتلوم هذا النبى الكريم في هذا النمل المحترق.

ولطالما أسعدنى قوله «صلى الله عليه وسلم» لا يعذب بالنار إلا رب النار، وكذلك ما قرأته عن نهى الإمام أحمد بن حنبل عن طهى السمك على النار وهو حى، رغم أن السمك سيموت لا محالة بعد قليل ويطهى ولكن الفقيه العظيم نظر إلى الرحمة به وعدم إيلامه بالحرق وهو حى.

كل ذلك وغيره جعلنى أكره كل من يحرق شيئاً نافعاً أو يسعى لذلك أو يشجعه ويؤازره، ولا أجد أي مبرر دينى أو أخلاقى أو حتى ثورى لحرق أي شىء نافع ومفيد في الحياة مهما كانت العلة والسبب.

لقد احترم الإسلام الشجرة والنخلة المثمرة في أرض العدو أثناء الحرب معه، فقد نهى رسول الله جيوشه المحاربة عن ذلك بقوله «ولا تقطعوا شجرة ولا نخلة» لأنها جزء من عمران الكون ونفع البشر جميعاً حتى حالة الحرب.. فما بالنا بغيرها.

ومنذ نعومة أظفارى وأنا شغوف بقراءة ودراسة التاريخ حتى إننى هممت وأنا طالب ثانوى أن أكتب كتاباً عن فلسطين، وكان هذا محض سذاجة منى أن أكتب في مثل هذا الموضوع الخطير وأنا في بدايات دراستى وتكوينى العلمى والفكرى. وأزعم وأنا اليوم في الستين من عمرى أننى لا أستطيع ذلك.

ومما شغلنى طويلاً أثناء قراءتى للتاريخ المصرى الحديث حريق القاهرة الكبرى، حيث حيرنى كثيراً هذا الحريق وكلما ازددت قراءة عنه ازداد الموضوع تعقيداً في عقلى.

وقد طالعت عدة مدارس تاريخية في هذا الموضوع وأشباهه فلم أسترح إليها جميعاً، فأنا ضد مدرسة الإخوان في تفسير وشرح التاريخ الحديث إذ إنها تعتمد على نظرية المؤامرة وهى نظرية فاشلة من وجهة نظرى وكتبت عنها كثيراً، كما أن مدرسة الإخوان التاريخية تعتمد على تلطيخ سمعة خصومها لتصبح سوداء تماماً وتبييض ساحتها تماماً.

وأنا ضد مدرسة هيكل التاريخية التي حولت هزيمة 5 يونيه 1967 إلى نصر سياسى، وحولت نصر أكتوبر إلى هزيمة سياسية، وكانت إقصائية بامتياز، وزورت كثيراً في التاريخ المصرى الحديث بطريقة «ولَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ» وأهالت التراب على كل زعماء مصر السابقين واللاحقين للرئيس ناصر، وغضت الطرف عن كل سلبياته ومنها على سبيل المثال والحصر استلامه الحكم لبلد اسمه «مصر والسودان» ووفاته عنه بدون السودان وسيناء. وضد مدرسة التاريخ التي تكتب في المناهج الدراسية المصرية في مراحل التعليم العام، فأكثر التاريخ المسطر فيها يعد مزوراً أو مبتوراً أو ناقصاً أو مخلاً بالحقيقة إخلالاً جسيماً.

أما المدرسة التاريخية الجديرة بالاهتمام فهى المدرسة العلمية الوثائقية المتزنة التي تدرس التاريخ بحيادية وتجرد، ولعل الدراسة القيمة والرائعة التي قدمها أ. شريف عارف في «المصرى اليوم» عن حريق القاهرة تدخل ضمن هذه المدرسة التي تحتاجها مصر والمنطقة العربية والتى تحتاجها أجيال الشباب الصاعد لتتعلم من ماضيها الصحيح لتبنى حاضراً سليماً.

فنحن في حالة فقر خطير للدراسات التاريخية الوثائقية أو الأفلام الوثائقية.. وكل الأمم توثق تاريخها في آلاف الأفلام والدراسات الوثائقية إلا مصر التي تكتفى ببرامج أمثال «نفسنة» و«5 مواااااه» التي لا يتعلم الناس منها شيئاً، ففاقد الشىء لا يعطيه.

وأرجو من أ. شريف عارف أن يحول دراسته عن حريق القاهرة إلى فيلم وثائقى بتقنيات عالية ولغات متعددة، وأن تكون دراسته باكورة لدراسات وأفلام وثائقية متتالية. فالتاريخ يعيد نفسه، وما حدث من حرائق في مصر بعد ثورتى 25 يناير و30 يونيه يشبه إلى حد كبير حريق القاهرة الكبرى.. فقد احترق كل شىء عقب الثورتين، احترقت الأقسام والمحاكم والنيابات والمجمع العلمى ومقر الحزب الوطنى والكنائس ومقرات الإخوان ومبانى الأحياء والمحافظات وبعض الشركات وبعض المساجد، ويمكننا القول أنه احترق كل شىء عقب الثورتين بما هو أعظم من حريق القاهرة الكبرى. ولعل تلك الحرائق هي التي جعلتنى أثق فيما ذهبت إليه منذ زمن طويل أن نتاج معظم الثورات وخاصة في العالم العربى نكد ومؤلم وسلبى ومدمر، فما رأيت بلداً بعد ثورة إلا ورأيته أسوأ مما قبلها، فالثورات تبدأ بيضاء نقية ثم تتلوث بالأهواء والأغراض والحرائق والدماء، تحية للأستاذ شريف عارف وتحية للمصرى اليوم التي مازالت تهتم بالتاريخ الذي أغفلته معظم الصحف.

------------------------
الخبر : حريق القاهرة.. ومدرسة شريف عارف .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق