لا أحد يقرأ فى المدينة!

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

صحيح مازلت أكتب وألقى بنفسى فى أحضان ورق أبيض أبثه هموم بلدى وهمومى، ولكن الأغلبية سرقها «النت» وجعلها مشاركاً فعلياً يملك أن يرد فى التو واللحظة ويصفق أو يبصق بلا رقيب، صار يستخدم النت هو القارئ والكاتب والناشر، ولم يبق فى المدينة عاكفاً على قراءة الصحف سوى فئة العقلاء بالعمر وهم لا يمثلون نسبة كبيرة، وتأتى الإعلانات للصحف من باب المجاملات والمودة وربما العلاقات الشخصية، ولكن «التورتة» تذهب للشاشات الملونة المزينة بالجمال والأنوثة.. والمصالح.

لقد صار بالإمكان أن يلجأ صاحب محفظة منتفخة لأن يختار «غندورة» تدير برنامجاً يلعب على أوتار مشدودة تثير الفضول والغريزة ويوزع «المنتج» على المحطات ويضمن الربح المضمون، ذهب زمان «تماضر توفيق» التى لا تظهر مذيعة على الشاشة إلا بموافقتها وبمعايير معينة، ذهب زمان «سعد لبيب» الذى اخترع مراقب السهرة ليدون ملاحظاته فى الذوق والكياسة والأخلاق، لهذا كان الزمن الجميل هو زمن الحياء، ذهب الحياء من الشاشة ومن الصحف ومن النت، وفى زمانى، كانت أكبر شتيمة توجه لأحد هى «يا قليل الحيا»!

■ ■ ■

لا أحد يقرأ فى المدينة

انصرف الناس عن الحرف والكلمة وراحوا للصورة، لقد أدركها محمد حسنين قبل غيره «فانصرف مبكراً»، واختار الشاشة مجالاً للتعبير عما يعتمل فى عقله ويموج فى صدره، كان «الأستاذ» بعيد النظرة، ربما لأنه قرأ المستقبل جيداً وأدرك أن «القلم» أدى واجبه وأكثر، فقرر أن يخاطب الناس عبر وسيلة فعالة تجمع الكبير والصغير وهى التليفزيون، مستفيداً من جاذبيته فى إيصال الأفكار وقد «فعل»، ولكن القلم لم يعترف بالهزيمة ولا يزال فى الحلبة تتابعه عقول مصرية «مؤثرة»، أى تملك التأثير الوجدانى ولا تسكن فى مدينة «نعم»، هذه العقول ترجح كفتها فى القرارات المهمة، لأن لديها القبول والرفض عن قناعة.

لا يزال قراء الصحف- مهما انكمشت النسبة- يشكلون الخبرات المتراكمة فى المجتمع ويشكلون «الوعى المستنير» ويشكلون الرفض بـ«لا» عن قناعة ذهنية بغض النظر عن ديكتاتورية الأغلبية.

هذا الجانب المدنى «المهمش» أحياناً لديه «الرأى والتجربة والرشد»، ولا تعيش المجتمعات بحماس الشباب وإلا صارت عرجاء، إنما تعيش بحماس الشباب وخبرة الكبار، إن ثورة ماوتسى تونج فى الصين بنيت على عنصرين «المخ والعضلات».

■ ■ ■

لا أحد يقرأ فى المدينة

عكف الشباب فوق النت وقد «انكفأوا» على «صحفهم المرئية» طوال الليل حتى مطلع الفجر يستقبلون أخباراً وشائعات وشرشحات ونميمة ودسيسة ويستقبلون إشارات دولية وتلميحات غير إنسانية، ولأن الصورة تساوى ألف كلمة، فإن الصور التى تبث فى هذا الجهاز السهل فى حجم الكف لها ألف هدف وهدف، حتى «النت» يشهد غارات لها ضحايا يتابعها الشباب صوتا وصورة ولها تأثير نفسى، لقد صار النت جاسوساً داخل بيتك مع التسليم بالجانب المعرفى الذى يتميز به، لكن الكتاب يشهد حيرة، فلا يزال نفر الناس يترددون على معارض الكتاب إخلاصاً للحرف، وهؤلاء يقرأون الصحف ولا يبالون بالنت.

وما زلتُ أكتب، أحترف الكتابة وأحترق بحروفها، ما زلت أكتب لعقول تستطيع أن تستوعب ما يحدث دون أن تنساق للهوجائية، من ينكر أن «النت» لعب أسوأ دور فى حياة مصر إبان الثورة الينايرية.. من ينكر أن النت كان كف الشر فى تحريك البشر بلا وعى نحو ذلك الهدف المنشود (إسقاط الدولة المصرية)؟.

■ ■ ■

لا أحد يقرأ فى المدينة

ناس مصر، فئات عمرية مختلفة الذوق والمذاق، الكبار منهم ينتظرون الصحف والمجلات وقد ربطها بائع الصحف بطريقته على باب الشقة، وقبل الإفطار وفنجان الشاى يدفنون رؤوسهم فى الصفحات «يطالعون» ما جرى، ربما عرفوا بعض الأخبار من التليفزيون أو مواقع التواصل، ولكن قراءة الخبر فى الصحيفة لها مذاق خاص وهى عادة ترسخت مع الزمن ربما هناك أولاد نشأوا فى هذه البيئة واعتادوا على هذه الطقوس، أنا ما زلت أحترم الصحف القديمة ولو صدرت منذ أسابيع ولا أطيق إلقاءها فى الزبالة وأفضل تزويد البواب بها وربما تباع لإمكانية «تدويرها» والاستفادة بها، أغلب الأولاد بين العشرينيات والثلاثينيات مغرمون بالنت ويقضون الليل فى «الشات» أى الدردشة الحرة، هم يستقبلون ما يبث فى عقولهم أياً كان مصدره أو اتجاهه أو هويته، وهنا تكمن خطورة النت كرافد للمعلومة، إن للفضاء الإلكترونى جرائم يدركها الخبراء، إن الكتلة الحرجة من السكان مهمومون بلقمة العيش أو المطلب الأول- حياتياً- قبل الصحيفة والنت.

■ ■ ■

لا أحد يقرأ فى المدينة!

فى عصرنا الحديث تغيرت المعادلة، فى الزمانات البعيدة كنا نقرأ كف الدولة فى مقال هيكل الأسبوعى بصراحة: الآن كف الدولة صار شاشات التليفزيون، يستطيع الآن رئيس الدولة الاتصال رأساً بالمذيع لكى «يعلق» على ما هو مثار، يشرح ويفسر ويشرح ويستعيد أمثلة أو أحداثاً من الذاكرة، فإذا ما ألقى بآرائه وجه الشكر ومضى، ما عاد الاتصال برؤوساء التحرير مجدياً، فالشاشة وسيلة للوصول إلى الجماهير. الرئيس فى أحاديثه على الهواء يقول «رسائل» ضمنية للخارج والداخل بعفوية مدروسة. يصحح على الفور كلاماً يسود المجتمع أو نقاطا مهمة تستوجب الشرح.

■ ■ ■

لا أحد يقرأ فى المدينة

كثيراً ما وجهتُ لنفسى هذا السؤال: هل فى المدينة «قارئ»؟ ليس لدىَّ نسبة مؤكدة موثقة بتعداد القراء فى مصر ولكنها على أى حال ليست النسبة القديمة. فى أمريكا قمة الثورة التكنولوجية لم تمنع أشهر صحفها من الاحتجاب، لا تزال كبريات الصحف الأمريكية والإنجليزية والفرنسية تظهر مطلع كل نهار ولم تحتجب ولن تحتجب!

الآن.. هناك بعض المعادلات المهمة فرضت واقعاً مختلفاً:

1- لأن الحرب مع الإرهاب حرب أجهزة وللثانية قيمتها، صار ضرورياً الرد الفورى أو التجاهل الفورى والقيادة السياسية لديها الإدراك لهذه الحقيقة. الحرب قذرة وربما أغلب الناس المهمومين بلقمة العيش لا يدركون أن مواقع التواصل تخلق تيارات غضب محموم.

2- القضايا العاجلة التى لا تحتمل التلكؤ يتولاها الجيش بنفسه «كوبرى سوهاج» مثلاً، هناك اعتقاد لدى الدولة بأن المحليات هى وجع مصر ولابد من حل.. كيف؟ هذا هو السؤال؟

3- النور ما عاد ينقطع فى البيوت، والأسعار العالية هبطت ومليارات تنفق لإسكان معقول، ومحاولات جادة لضرب العشوائيات ولا يزال المصريون فى انتظار «الفلوس المهربة فى بنوك سويسرا» (!!).

4- فى زماننا المرتبك، صار التليفزيون- شئنا أو لم نشأ- هو «الحاكم» و«الأب البديل» وأكاد أقول إنه «المعلم البديل» أيضاً فى دولة ترتع فيها الأمية.

5- بعض العواصف والاحتجاجات ونكران ما يجرى بالفعل على أرض مصر هى «سموم إخوانية» لأننا شعب طيب لا نفيق إلا على كارثة.

6- يلعب الجيش أدواراً مهمة وحيوية، محددة الزمن فى بناء مصر، فماذا عسى أن تلعبه الحكومة؟! أى حكومة؟!

------------------------
الخبر : لا أحد يقرأ فى المدينة! .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق