عاجل

على مائدة الحوار .. الوزيرة الأولى.. والوزير الأخير!!!

0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

تعلمت من كلية الآثار.. قسم آثار فرعونية.. أن الملوك اللاحقين يبدأون ملكهم بمحو آثار من سبقوهم من ملوك حتى لو كانوا من نفس الأسرة.. هي حقيقة تاريخية.. والحقيقة الوحيدة التي تمسك بها المصريون منذ زمن الفراعنة حتى الآن.. وكنت أتمنى أن يتمسكوا بحقائق أخرى إيجابية أذهلت العالم والعلماء في كل العصور، ولكنها التقليد الوحيد الملموس الباقي للأسف، حقيقة نلمسها كل يوم.. وفي كل المؤسسات والقطاعات والحكومات، وربما كانت الفترة الأخيرة هي الأشد عنفًا في التمسك بهذا التقليد الغريب.. حين تبارى المصريون.. مواطنون كانوا أو مسؤولين في محو آثار الرئيس الأسبق مبارك بعد ثورة يناير.. سواء كانت تلك الآثار على الأبنية أو الطرق أو المؤسسات.. أو حتى في كتب التاريخ، حتى التاريخ.. نطمسه بكل ثقة.. وبلا أدنى تردد!!

لم يقف المصريون كثيرًا أمام تسمية الميسترال بأسماء رؤساء سابقين.. مثل جمال عبدالناصر وأنور السادات.. حتى محمد نجيب.. سميت أكبر قاعدة عسكرية في الشرق الأوسط باسمه.. وتم افتتاحها منذ أيام في حضور ملوك ورؤساء وزعماء العالم، وكأن إرادة الرئيس السيسي عزمت على إنهاء هذا العنف الفرعوني في طمس تاريخ مصر بكل أمجاده وحتى أخطائه.

توقفت كثيرًا أمام هذا الأمر.. وتمنيت من داخلي أن يكون منهجًا وسياسة.. وليس تاريخًا فقط.. وتساءلت: هل يجوز أن يصدر الرئيس أمرًا رئاسيًا للحكومة أن تنتهج نهجًا أكثر عقلانية في التعامل مع الخطط والملفات التي تركتها حكومات سابقة؟ وأن تنتهي الوزارة الحالية من الخطة السابقة قبل أن تبدأ خطتها الجديدة حتى لا تهدر أموالًا وجهودًا لا تُقدر؟

ربما أراد الرئيس من منهجه غير المسبوق في التعامل مع الخطط اللوجستية للقوات المسلحة أن يرسل رسالة للجميع.. يقول من خلالها إن التاريخ لا يُمحى.. وإن الحق أحق أن يُتّبع،. وإن نكران الماضي ومحوه لا يصنع مستقبلًا.. ولا يُنذر برخاء أو ازدهار.. ولكن هل انتبه احد إلى تلك الرسالة؟

أعتقد أن د.خالد فهمي، وزير البيئة، انتبه وبقوة، ومبكرًا جدًا.. ليس هذا فقط.. بل صاغ هذا الانتباه في خطته داخل الوزارة، وفتح الملفات المغلقة، واكترث كثيرًا بما قدمه من سبقوه واطلع على الخطط القديمة ودرسها جيدًا وقرر أن يستكمل المشوار دون أن يهدر الماضي، ولكنه مع ذلك كله قرر أن ينفذ ويخطط للجديد بمنهجيته التي قد تتفق وقد تختلف مع السابقين عليه، ولكن هدف التطوير المستدام كان الهمّ الأول له، وأعتقد أنه نجح إلى حد بعيد أن يجعل من وزارة البيئة.. الوزارة صاحبة المصداقية الأولى لدى المواطن.. قبل الدولة.. وهو نجاح.. بل إنجاز لم يحدث على مدى زمن طويل لأي وزارة داخل أي حكومة!!

في صالون الأهرام البيئي منذ أيام.. كانت الملحمة المذهلة.. التي اعتادت الأهرام بعراقتها وداخل منبرها التنويري العظيم منذ نشأتها على التصدي لكل ما هو راقٍ وغير مألوف للآخرين، تلك الملحمة جمعت أول وزيرة للبيئة د. نادية مكرم عبيد والوزير الحالي خالد فهمي.. في سابقة لم تحدث في الإعلام المصري.. ولا على مستوى الحكومات المصرية.. عرض الوزيران ملفاتهما أمام الخبراء والإعلاميين.. وإلى أي مدى نجح كلاهما أو أخفق في تعامله مع كل تلك الملفات والقضايا، كان حوارًا للمكاشفة والمصارحة، لم يجمّل كلاهما الواقع أو الماضي.. ولم يبشرا بمستقبل نظيف خالٍ من التلوث، وبيئة تسابق الزمن في النقاء والجمال، بل تحدثا عن تحديات جسام واجهتهما.. ومازالت.. وعرضا بكل شفافية المعوقات والمشكلات الحقيقية، وتصورهما لطبيعة الحلول وواقعيتها.. واعترفت الوزيرة بالأمل الذي كان يراودها في بيئة مستحقة للمصريين.. واعترف الوزير بأنه يكمل ملفات فتحتها الأم المصرية نادية مكرم عبيد، المفعمة بالعطاء والتي مازالت تحتضن في جوفها الأمل، وتمد يدها لكل من يساند قضية البيئة حتى لو كانت خارج موقع المسؤولية.. ابتسامتها التي لا تفارق وجهها الصبوح تنير طريقًا لكل من يمر قريبًا منها، سيمفونية صادقة.. لم يقتحمها الرياء، ولم تعترض المجاملة سبيلها بين مسؤول سابق وآخر حالي، فتقاليدنا القديمة كمصريين في هذا الشأن تشي بالتنافر.. ولم نر من قبل مثل هذا اللقاء بين مسؤولين أحدهما سابق والآخر حالي، اللهم إلا احتفالات الرئيس التي شارك فيها- بكل فخر- الرئيس السابق عدلي منصور.

قيمة لا تقدر.. وقد لا ينتبه إليها الكثيرون، قيمة الاعتراف بفضل السابقين واحتضان ما قدموه والبناء عليه.. لا هدمه وإهداره بدم بارد، تلك القيمة التي لو اعتبرناها جزءًا من منظومة قيمنا الأصيلة ستغير كثيرًا في حاضرنا ومستقبل أولادنا، وكفانا تفريطًا في قيم الخير والبناء، فقد خسرنا كثيرًا ومازلنا نقدم خسائر في إقدامنا على التفريط في كل ما يحاول البناء.

ربما تصدت الأهرام لهذا الطرح تحديدًا وليس لغيره، لأنه نموذج فريد من التقدير والاحترام بين السابق والحالي.. بالإضافة إلى أن كثيرًا من معضلات القضايا المصرية في الأصل معضلات بيئية، وقد لا يتصور البعض على سبيل المثال أن إهمال البحيرات قد يؤدي إلى إهدار الثروة السمكية، ويؤثر على السياحة، والصحة، والتصدير، وبالتالي نقص العملة الصعبة.. إذن عدة مشكلات تجمعت في قضية واحدة.. هي في الأصل قضية بيئية، قس على ذلك كل القضايا التي تمس المواطن بشكل مباشر وتؤثر على رزقه وصحته ومستقبله، لذا كان النقاش ثريًا، مترنحًا بين العلم والواقع، متجولًا بين الماضي والمستقبل، عارضًا الرؤى والأفكار بانسيابية ورشاقة مفرطة.. تجربة على تفرّدها أهفو إلى تكرارها في كل الوزارات في الحكومة وداخل القطاعات والمؤسسات.. لابد أن يقف كل منا أمام مسؤولياته الحقيقية.. وأيديولوجياته المقبلة.. ومزيدًا من الشكر للمؤسسة العريقة (الأهرام) التي قررت أن تحيي أمجادها القديمة.. وتبني من جديد ما فرّطت فيه مؤخرًا.

------------------------
الخبر : على مائدة الحوار .. الوزيرة الأولى.. والوزير الأخير!!! .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق