التنكيل بـ«جنينة» بديل لـ«مكافحة الفساد»

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

هناك نكتة دارجة يرددها عموم الناس تقول إن رجلا ذهب لإبلاغ آخر بأن زوجته تخونه مع صبى كهربائى وإنه قد رآهما وتيقن من علاقتهما الآثمة، ففوجئ بالزوج يرد عليه: «ومن قال لك إنه يفهم فى الكهرباء». هذه الحالة أشبه بما انتهت إليه لجنة تقصى الحقائق حول ما ورد فى دراسة للمستشار هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزى للمحاسبات، فانتهت إلى إدانته لأنه أخطأ فى تجميع الأرقام، وخصم ما هو معروض أمام القضاء من حسبة الفساد، وتلقف مناصرو السلطة الأمر، فراحوا يطالبون بإقالة الرجل ومحاكمته أو استجوبه أمام البرلمان، وهذا من حقهم، لكن فى المقابل نريد ثلاثة أمور: الأول هو معرفة ما ورد فى دراسة جنينة التى أرسل نسخة منها إلى رئيس الجمهورية، بينما نشر تقرير لجنة تقصى الحقائق كاملا فى الصحف، حتى يكون الرأى العام على بينة من الأمر. والثانى هو معرفة حجم الفساد الحقيقى، الذى اتهم جنينة بتضخيمه، ثم محاسبة ومحاكمة الفاسدين أيا كانت مناصبهم. والثالث هو الاعتراف بأن الجهاز المركزى للمحاسبات وغيره من الأجهزة الرقابية ترصد الفساد المالى المكتشف، بينما يبقى الفساد المستتر والمخفى والهارب من المتابعة رقما ربما أكبر بكثير مما يقع فى أيدى الرقابيين.

بغير هذا يكون التقرير قد انحرف عن هدفه بتقصد جنينة، وليس بالتصدى للفاسدين، ومحاولة إظهار الأمر وكأن مصر خالية من الفساد، مع أن الفساد المالى والإدارى والسياسى فى بلادنا لا يحتاج إلى «جنينة» ولا جهاز المحاسبات، فتقارير الشفافية الدولية تضعنا، بلا فخر، فى أكبر الدول فسادا فى العالم، ورئيس الجمهورية نفسه تحدث ذات مرة عن «الخرابة» التى آلت إليه، وكل إنسان فى هذا البلد يتعامل مع الأجهزة البيروقراطية والشرطية والخدمية له قصص تروى مع الفساد والفاسدين. والخوف كل الخوف أن يأخذوا الرأى العام إلى تضليل جديد يقول له: المشكلة فى جنينة وليس فى الفساد، فإن أقلناه ومنعناه من السفر وحاكمناه وسجناه ستتطهر مصر من دنس الفساد، وتعود بيضاء، ليلها كنهارها.

قبل أسابيع زرت جنينة فى مكتبه، باحثا عن إجابة على سؤال يؤرقنى: هل نقص الفساد فى بلادنا؟ وهل هناك نية صادقة، وعزم لا يلين، على مواجهته؟ دفعنى لهذا إيمانى، الذى يستند إلى أدلة قاطعة وبراهين ناصعة بأن الفساد أخطر من الإرهاب، لأن الأخير يستنهض طاقة الدولة والمجتمع لمواجهته فيزيدهما قوة ومكنة ومنعة، وبالتالى فهو لا محالة مذموم مدحور، أما الأول فهو يقتل هذه الطاقة أصلا، إنه أشبه بهذا المرض اللعين الذى يصيب مناعة الجسم، فيدعه هشا مهيضا أمام أى مرض ولو كان خفيفا عابرا.

قال لى الرجل وابتسامة تكسو ملامحه: دورنا أن نكشف الفاسدين ونقدمهم إلى جهات التحقيق المعنية، لكن ليس علينا أن نلزمها بشىء ولا نتتبع مجرى ما كشفناه وقدمناه. فسألته: وهل ما كشفته يشى بأن الفساد قد تراجع؟ أجاب بلا تردد: للأسف لا، الفساد تغلغل فى كل مكان، وكافة الجهات، بعضها بوسعنا أن نلاحقه، وبعضها عصى علينا لأسباب خارجة عن إرادتنا، فهناك تقاليد رسخت فى العقود الفائتة عن إمكانية مراقبة بعض المؤسسات والجهات ولا سبيل إلى تغييرها على ما يبدو إلا بجهد جهيد، رغم أن المال فى النهاية هو مال الشعب.

وراح يسرد وقائع على عجل، يضرب بها أمثلة، فاستقر فى يقينى أن الفاسدين تحولوا إلى عصابات إجرامية قوية، لها أنياب وأظافر ومخالب تخمش كل من يحاول أن يقترب منها، وبعض هذه العصابات أصبحت تستهدف الجهاز المركزى للمحاسبات نفسه.

واستعدت ما جرى للمستشار جنينة نفسه، ابتداء باتهامه بأنه يعمل على هدم بعض المؤسسات الصلبة والأساسية للدولة، رغم أنه لم يفعل شيئا سوى أن قال لها بالمستندات الدامغة: أنت فاسدة، وانتهاء باتهامه بأنه من الخلايا النائمة لـ«جماعة الإخوان» وهو ما كذبته شواهد ودلائل عديدة فيما بعد، وبات أمرا يدعو للسخرية، وينضم إلى هذه الأسطوانة المشروخة التى يرددها فاسدون ومنافقون ومغرضون ومتخصصون فى تشويه الناس عن كل شخص لديه رأى مختلف فيما يجرى.

أما سؤالى الثانى، فأجاب عنه جنينة: نقدم ملفات باستمرار للرئاسة، وأعتقد أن الرئيس جاد فى محاربة الفساد، لكن يبدو أن الفاسدين قد توحشوا لدرجة أن الدخول فى معركة ضدهم بات أمرا يحسب حسابه ألف مرة.

لم تكن هذه الإجابة، التى تنطوى على قدر من الحرص والشعور بالمسؤولية، كافية بالنسبة لى، فالمستشار جنينة كمسؤول، ورغم زهده فى المنصب، له حدود يلتزم بها، فكلامه «رسمى» وتصريحه «محسوب عليه»، أما شخصى المتواضع، فلا يتوقف عند حد الرسميات، ويطلق ذهنه كى يردم الهوة بين ما نطق به جنينة وما سكت عنه. وهذا التخيل يجعلنى أقول بكل وضوح: لا أشعر بجدية الرئيس فى مواجهة الفاسدين، فكثير من اختياراته للمسؤولين الإداريين تقول إنه لا يتجنب تماما غير الأكفاء من الجهاز البيروقراطى، هذا صنف من الفساد، ومعاملته لبعض رجال المال وأتباع «رأسمالية المحاسيب» تقول: إنه لا ينهرهم بل يسترضيهم. وهناك مؤسسات فى البلد فسادها طافح، ورائحته تزكم الأنوف، ولا يمسها أحد. والناس فى الشوارع يقولون إن الفساد قد زاد، لأن الفاسدين يشعرون الآن بأنهم فى مأمن، فها قد قامت ثورة، فما مسهم منها شىء، بل إن بعضهم ازداد غنى، شأنه شأن أثرياء الحروب.

سألت المستشار جنينة عما يمكن أن تفعله الشخصيات الوطنية العامة لمساعدته فأجاب: هو مال الشعب، ومسؤولية حمايته تتعدى الأجهزة الرقابية. ابتسمت وقلت له: أنا واثق أنك جاد وصارم وقاطع فى محاربة الفساد، وعلى كل الوطنيين أن يقفوا إلى جانبك، ويشدوا من أزرك، لكننى أعود وأقول إن المسألة ليست انحيازا شخصيا لجنينة، فأنا لا تربطنى به أى صلة اجتماعية وليس لى معه أدنى مصلحة، لكنه انحياز تام ضد الفساد، فإن كان جنينة قد أخطأ فى الحساب، سنقول عنه إنه موظف ضعيف الإمكانيات، أو أن من تحته من المحاسبين الذين أعدوا الدراسة ليسوا أكفاء، لكن هذا لن يعمى أعيننا عن أن بلادنا تزخر بالفساد، وأن الفاسدين يزدادون توحشا، بعد أن تحولوا إلى عصابات ومراكز قوى، لها أظافر ومخالب وأنياب وأذرع فى كل جهاز وكل مؤسسة وكل وسيلة إعلامية، ولن يدفعنا كل هذا إلى التخلى عن الإيمان القاطع والجازم والراسخ بأن مصر لا يمكنها أن تتقدم إلى الأمام بينما الفساد ينخر فى عظامها، وينهش لحمها، وأن أى رئيس لهذا البلد لا يمكننا أن نصدقه إلا إذا رأيناه يقاتل الفاسدين فى كل مكان، ويدرك أن مال الشعب لابد من مراقبته لدى كل المؤسسات والجهات بلا تمييز.

------------------------
الخبر : التنكيل بـ«جنينة» بديل لـ«مكافحة الفساد» .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق