مبارك وإثيوبيا والانتقام (٢)

0 تعليق 91 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

بمجرد ظهور الجزء الأول من هذا المقال خرجت خناجر من غمدها واستل البعض سيوفا خشبية ليقتصوا بها من الذى تجرأ على فتح خزائن أسرار زمن صدقنا أنه ملعون فشطبناه من عقولنا ومحوناه من قلوبنا.. لماذا أصبحنا «روبوتات» تسير بأوامر خارجية و«تهنّج» إذا أصابها سوفت وير حميد؟.. ترفضه باعتباره «حصان طروادة» الذى يريد اقتحام قلاع الخداع والشرف التى نقيم فيها راضين..

حصنوا أبوابها ضد أى طرقات للتنبيه والتحذير.. فكل من انتمى للعصر السابق موصوم ومذموم.. الحقيقة أننى ضد مبدأ التاريخ يكتبه المنتصرون.. لماذا لا يكتبه عقلاء محايدون.. هذا المفهوم يعانى منه العالم كله.. نابليون بونابرت مثلا عظيم فى فرنسا.. ملعون فى إنجلترا.. شهوانى فى النمسا.. انتهازى فى روسيا.. وكل متعصب لرأيه فى هذا القائد العظيم.. لكن فى ألمانيا التى قاست من ويلاته ونكباته هناك حزب «نازى» يحمل شعاره ويخوض الانتخابات وله مقاعد فى البوندستاج..

هنا جينات الفراعنة تسيطر علينا.. نكتب التاريخ طبقا لمزاج الحاكم وأحيانا نزولا على رغبة حاشيته.. ما أقصه هنا نقلا عن مبارك «تاريخ» وليس رأيا سياسيا.. لم تعجبنى الكتب التى صدرت عنه بأقلام من كانوا يتزلفون إليه....

المبدأ الذى استنه الأستاذ هيكل وسار وراءه دراويشه وتلاميذه من كتاب الرأى على أنه تاريخ دمر الصحافة والسياسة والعقول.. وشوه السادات بشدة ومثله مبارك.. ومازال الجميع على نهجه سائرين..

أعود للرئيس الأسبق مبارك الذى بدأ يحكى عن الاعتقاد بقيام قاذفات مصرية بضربة سريعة لإثيوبيا والعودة.. قال «فى أحد أيام مارس 1979 وصل للسادات تقرير من الفريق سعيد الماحى، مدير المخابرات العامة، عن تحركات مريبة لإسرائيل مع إثيوبيا لبناء سدود.. بعدها بشهور وصلت تقارير أخرى من اللواء فؤاد نصار، مدير المخابرات العامة الجديد.. فورا- والكلام على لسان مبارك- دعا الرئيس الراحل لاجتماع فى استراحته بالقناطر الخيرية.. حضر مبارك بصفته النائب ومعه السفير الإثيوبى.. وقال السادات ما معناه (إذا حدثت حرب على المياه فلن نموت هنا عطشا ولكننا سنموت فى الحبشة)، والسادات كان يتعمد أن يطلق على إثيوبيا (الحبشة) ليضايقهم ويذكرهم بالاحتلال الإيطالى»..

يقول مبارك كان السادات ينظر باتجاهى ويبدو أن السفير فهم أنه طالما أن قائد الطيران السابق موجود فالضربة قادمة لا مناص.. وخرج السادات ليقول للصحفيين «الحرب القادمة فى الشرق الأوسط ستكون على المياه»..

هنا توقف وسألته هل تمت الضربة يا افندم.. قال ليس لدينا قاذفات تضرب إثيوبيا وتعود.. ثم إنه لو كان هناك شىء من هذا فالهجوم لا يكون من مصر ولكن من دولة قريبة منهم.. وعلى كل حال السادات كان ثعلبا يمكن أن يموه ولا يضرب.. أو يضرب ثم يهدد.. الله يرحمه..

شعر الرئيس أننى سأمضى فى أسئلة عن الحل العسكرى فقال الملف مع عمر سليمان والوزير أبوالغيط والنواحى المالية مع فايزة أبوالنجا.. وبهذا قفل الباب بالضبة والمفتاح.. جربت أن أقرع جرسا آخر لأدخل..

(1)

يا افندم زيناوى له تصريحات مؤخرا يقول فيها إنهم أحبطوا مؤامرة مصرية للانقلاب عليه.. ضحك مبارك وقال «والنبى دا كلام.. الراجل داخل انتخابات وعايز يعمل دعاية لنفسه.. يعنى أنا أمسك عملاء ولا أقدمهم للصحافة وأفضح مصر.. بلاش تخريف».. ومضى قائلا «هناك طرق كثيرة للتدخل.. إحنا محاصرينهم حاليا.. قاطعين عليهم الميه والنور.. كلمنا الدول المانحة لعدم منحهم تمويلا.. بيرلسكونى قال لى مافيش دولار يروح ضد مصلحة مصر.. أبوالغيط والخارجية عاملين جهد جبار فى الصين وسنغافورة واليابان والاتحاد الأوروبى لوقف أى تمويل لمشروعات سدود إثيوبيا على النيل الأزرق.. بالمناسبة كانت إثيوبيا تعتزم بناء 6 سدود صغيرة لتوليد الكهرباء فقد كانت ومازالت أفقر الدول من ناحية الطاقة.. أنا لا أعتراض عندى على حقهم فى التنمية»..

لكن يا افندم وبسرعة يرد مبارك «هو لسه فيه لكن».. بتلعثم أجيبه «أكثر من لكن!».. رد «Shoot» أى أطلق وهو تعبير مميز للرئيس الأسبق ليعطيك الإشارة الخضراء إذا كان مزاجه صافيا.. ولحسن الحظ كان كذلك..

تشجعت: هناك اتهامات لسيادتك بأنك السبب وراء تقلص النفوذ المصرى فى أفريقيا وأنك تعاملهم بخيلاء.. يكره الرئيس الأسبق أن تقول له كلاما مرسلا.. سأل «من الذى يقول».. لم يكن هناك مناص من الإجابة «الأستاذ هيكل وتلاميذه»..

ويقدم مبارك تشخيصا من وجهة نظره للاتهامات الموجهة ضده.. قال: «هيكل مازال يجلس على رمال الشاطئ الدافئة أمام (بحر الستينيات).. الآن الأمواج عالية جدا.. والرياح شديدة.. لاحظ دائما أنه ينتقد ولا يعطيك حلولا.. لو أجاد السباحة زمان فسيغرق الآن هو وأفكاره فى محيط الألفية.. أما عن النفوذ فأنا لست مستعدا أن أبدد أموال البلد على الدول الأفريقية كما يفعل القذافى.. أظنك شاهدت كيف احتفوا به فى قمة الاتحاد الأفريقى فى أكرا بغانا 2008.. أعطوه لقب ملك الملوك.. ضخ أموالا لا أول لها ولا آخر».. ويواصل مبارك: بعض الرؤساء الأفارقة تخصص ابتزاز.. أنا مسؤول عن 82 مليون نسمة.. وباستورد تقريبا 50% من الغذاء أروح أديهم ملايين الدولارات.. ومع ذلك هناك استثمارات مصرية فى إثيوبيا بـ 1.5 مليار دولار منهم السويدى بتاع الكابلات ويبدو أن هيكل وشركاه لا يذهبون لأفريقيا لأنها شديدة الحرارة و«ناشفة».. وضحك.

(2)

أعود لأحاوره قبل أن يغضب «يا أفندم محاولة اغتيالك فى أديس أبابا فى يونيو 1995 أثرت على العلاقات وأشاعوا أنك درست ضربة إجهاضية لإثيوبيا»! هنا غضب الرئيس قليلا وقال انت بتكلم رئيس الجمهورية مش زعيم عصابة.. اسأل صديقك د. أسامة الباز.. كان هناك اجتماع لتوجيه ضربة عسكرية لمعسكرات الإرهابيين بالسودان الذين يشجعهم حسن الترابى.. وبعدها الاتفاق مع إريتريا لضربة أخرى للإرهابيين فى إثيوبيا.. رفضت الاقتراحين.. وكان أسامة الباز عظيما وهو يقول «الكبار لا يتصرفون مثل الصغار».. توقفنا هنا.. وعدنا لحوار آخر أحالنى فيه الرئيس الأسبق لوزير الخارجية..

وقبل أن أنتقل للحلقة القادمة يهمنى شهادة معارضى مبارك الأشاوس فى وفد الدبلوماسية الشعبية الذين ذهبوا لأديس أبابا فى عهد المجلس العسكرى من 28 إلى 30 إبريل 2011.. هناك قابلوا الرئيس جيرما ولد جيورجيوس ورئيس البرلمان الإثيوبى ورئيس المجلس الفيدرالى.. وضم الوفد أسماء لامعة مثل د. السيد البدوى رئيس الوفد وحمدين صباحى وسكينة فؤاد الصحفية الكبيرة وجورج إسحاق وعبدالحكيم عبدالناصر.. بعد عودتهم أدلوا بتصريحات وكتبوا مقالات كلها تحمل استياء وانتقاد قادة إثيوبيا لمبارك ووزير خارجيته اللذين منعاهم من إقامة السدود.. وأن الحل فى ديمقراطية 25 يناير الثورة المثالية.. هذه شهادة الخصوم وهى وسام على صدر مبارك وأبوالغيط وعمر سليمان وفايزة أبوالنجا..

نبهنى السيد أحمد أبوالغيط أمين عام الجامعة العربية إلى أن الكلام عن سد النهضة لم يبدأ إلا فى مايو 2011 ولم يكن هناك مسمى محدد بل كانوا ستة سدود لإنتاج الكهرباء.. وتمت محاصرة جهود إثيوبيا لإقامة السدود وتخاطبنا مع الدول المانحة خصوصا الصين فى قمة الصين أفريقيا 2008 وضغطنا عليهم بموافقة دولية لعدم زراعة أراض أمام السد حتى لا تتأثر حصص مصر من المياه.. أصروا على سدود للكهرباء.. قلنا لهم نمدكم بها كما نمد دولا أخرى.. رفضوا.. حاولنا شراء الكهرباء المولدة.. رفضوا أيضا.. لم يكن هناك بد من محاصرتهم دوليا.. مصر كانت ترأس منظمة المؤتمر الإسلامى والاتحاد الأورومتوسطى ولها أغلبية بالجمعية العامة للأمم المتحدة ورئيسة عدم الانحياز.. وبدأت ضغوط قانونية دولية.. والكلام كثير..

الأسبوع القادم إن شاء الله «مبارك وترعة السلام.. أبوالغيط وأفريقيا».. الحلقة الأخيرة

------------------------
الخبر : مبارك وإثيوبيا والانتقام (٢) .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق