عاجل

المُضحِكات المُبكِيات فى «لجاننا العلمية» (4)

0 تعليق 73 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

أستهل هذا المقال بعتاب أوجهه للصديق أحمد الجمال، إذ تساءل فى مقاله الصادر فى 11 الجارى بصحيفة «الأهرام» تحت عنوان: «أسئلة للعقل الثقافى المصرى»: «كيف نسعى ليكون عام 2018 وعاء لفعل ثقافى مصرى يؤسس لصحوة إحيائية تُنهى بلا رجعة غفوة التخلف الثقافى وغطيط الاستسلام للانحطاط الفكرى الذى تلحّف بأغطية التدين تارة، والتراث أخرى، والجمود الأيديولوجى ثالثة؟».

ثم يمضى قائلا: «.. لماذا لا تنشأ مدارس علمية رصينة فى كل فرع من فروع التخصصات الأكاديمية، ليتم تقنين مراحل التقدم فى تلك التخصصات، وليتم الحفاظ على معايير البحث ومناهجه (...) تلك أسئلة يختلط فيها التقرير بالاستفهام، وأظن أن الإجابة مطلوبة من العقل الثقافى المصرى، فهل من مجيب؟».

ونحن نجيبه هنا بعتاب، فلو أنه اطّلع على مقالاتى الثلاث الأخيرة فى «المصرى اليوم» لوجد ما يبحث عنه من مقترحات منهجية، لا تبدأ بالإجرائيات، أو ما أُفضل أن أدعوه «القطوف الإجرائية»، وإنما بفلسفة المعرفة التخصصية فى إطار النظرية العامة للمعرفة، التى تضم كافة التخصصات بوصفها أنشطة تتعلق بإشباع حاجات مجتمع معين فى صيغ «متخصصة».

فكما أسلفنا من قبل فإن البحث العلمى فى مصر يقتصر على تبنى الإجرائيات المستمدة من مجتمعات الشمال بخاصة، كى يطبقها بحذافيرها، بل أيضا بلغاتها الأوروبية على مجتمعاتنا العربية بدعوى التحديث والتحضر، بينما لا يعى أن تلك الإجرائيات إنما تترتب على منطلقات فلسفية تقوم على علاقات اجتماعية لبلد معين، وأن فهمها فى نسبيتها هذه مهما بلغت من تركيب يفرض على الباحث أن يتعرف على تلك الأرضية المعرفية الفلسفية التى نشأت فى أحضانها. وإلا لما كان للثورة الصناعية فى أوروبا مثلا فلاسفتها. ولما كانت تلك الثورة مجرد تطبيق «تلقائى» للتطور العلمى، وإنما قامت لضرورات اجتماعية معينة.

ولما كان التطور الخاص بمجتمعاتنا العربية مفارقا لها، فمجرد نقل التقنيات الغربية إلى مجتمعاتنا دون التعرف أولا على أسبابها المجتمعية الفلسفية لن يفضى بنا سوى إلى أن نصبح مجرد نسخ باهتة لتلك المجتمعات التى نقلنا عنها تلك التقنيات. وهو ما لا يمثل مجرد تخلينا عن تراثنا المجتمعى المتراكم عبر العصور، ومن ثَمَّ تبعيتنا العمياء لنماذج الغير، وإنما أيضا إفقار الغرب نفسه بإقصاء ما يمكنه أن يتبادل معه من خبرات وحلول يفتقر هو نفسه إليها. وهذا هو علة ترحيب الغرب بنشر أعمال الاجتماع البحثى الذى عقدته فى مقر اليونسكو فى باريس فى مارس 2009 تحت عنوان: الإسهام العربى المعاصر فى الثقافة العالمية: حوار عربى- غربى. وهو رد ليس فقط على المشاركة الخائبة للجامعة العربية فى معرض فرانكفورت للكتاب فى 2004، وإنما نقد لعولمة المعايير الغربية واعتبارها «عالمية» يُقتَدَى بها، بينما هى تخص مجتمعات غربية بعينها. ومهما بلغت حلولها من تركيب وتعقيد، ليس فى التقنيات وحدها، وإنما بالمثل فى التنظير، إلا أن التفاعل معها من جانبنا لا يجوز أن يبدأ منها، وإنما منا نحن، أو بالأحرى من الوعى باختلافنا الموضوعى (وليس الذاتى!) عن منطلقاتها، ومن ثَمَّ إمكان الإضافة إليها ابتداء من هذا الوعى بالاختلاف، بما يفضى إلى إشباع احتياجات مجتمعاتنا على نحو أفضل، والإضافة إليها بما يمكن أن تتعلمه منا كما نتعلم نحن منها، فالسائد على الصعيد العالمى هو إقصاء الثقافات الاجتماعية، التى يبلغ عمرها آلاف الأعوام، لحساب ثقافات الشمال، التى لا تتجاوز فى حداثتها القرون الستة الأخيرة، بينما تتناحر فيما بينها لتعميم حلولها وثقافاتها على عالم اليوم.

ونظرا لتناقض ذلك التوجه الأحادى من الشمال نحو الجنوب مع مبدأ الرشادة العلمية، فقد رحبت دور النشر الغربية بإصدار الكتاب المشار إليه، بينما رفضت ترجمته عن الإنجليزية والفرنسية إلى العربية اللجنة «الاستشارية» للمشروع القومى للترجمة فى القاهرة، بدعوى طريفة حقا، مفادها أن هذا الكتاب موجه إلى الغربيين، وليس إلينا نحن فى مصر والعالم العربى، مع أن ضحايا العولمة العمياء فى مختلف تخصصاتنا، بدءاً بالعلوم الطبيعية وصولا إلى الفن التشكيلى ونظريات الأدب ذاته، لا يُعدون ولا يُحصون!!.

وإليك تفصيل ذلك فى مقالاتنا التالية.

* أستاذ مناهج البحث، وفلسفة المعرفة، ورئيس «الرابطة الدولية لدراسات التداخل الحضارى»

------------------------
الخبر : المُضحِكات المُبكِيات فى «لجاننا العلمية» (4) .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق