عاجل

الاستحواذ الاقتصادى والسياسى

0 تعليق 91 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

من الظواهر التى استشرت فى الحياة السياسية فى مصر قبل يناير 2011 محاولة الحزب الوطنى الديمقراطى الاستحواذ تقريبا على كل ذى رأى، وذلك بضمهم تحت لواء «لجنة السياسات». وكان من أثر ذلك إضعاف المعارضة وتفريغ العمل السياسى من محتواه، إلا ما ندر. منطق بعض المستنيرين الذين قبلوا الدخول تحت لواء هذه المظلة أنها كانت أفضل البدائل المتاحة للإصلاح من الداخل. الذين رفضوا الانضمام للجنة السياسات كانوا قلة غير مقتنعة بصلاحية نظام يكاد يكون شموليا لتحقيق نهضة مستحقة، ولم يكن أمامهم غير العض على النواجذ على أمل أن تأتى الرياح أو الأيام بما تشتهى السفن. كان لكل فريق منطقه، وليس من المفيد الآن التفتيش فى النوايا؛ الأكثر فائدة محاولة الاستفادة من التجربة فى بناء مصر الحديثة.

فى هذا الصدد، وبما أن فكرة الاستحواذ مستخدمة فى الاقتصاد فى أكثر من سياق، هل من الممكن الاستفادة مما خلص إليه الاقتصاديون؟ وهل ينسحب قولهم على العمل السياسى؟ وأين نحن من كل هذا الآن؟

فى عالم الاقتصاد والأعمال، تحاول بعض الكيانات الاقتصادية أن تملك كيانات أخرى بهدف تحقيق تكامل فى نشاطها الإنتاجى أو التسويقى أو الإدارى، أو بغرض اكتساب نصيب مؤثر فى السوق. عملية الاستحواذ هنا لها شق إيجابى ناتج عن زيادة الكفاءة، وآخر سلبى احتكارى. هناك حالات استحواذ أخرى أقل وضوحا، أهمها تغول الشركات التى تعمل فى مجالات البنية الأساسية، مثل الكهرباء أو الاتصالات أو المياه أو الغاز الطبيعى، على الجهاز الذى يقوم بالرقابة عليها. ما يساعدها على ذلك أنها تتمتع بميزة معلوماتية عن تكلفة منتجاتها مقارنة بالأجهزة المسؤولة عن تحديد أسعار البيع للمستهلك.

للحد من الآثار السلبية المحتملة لهذين النوعين من الاستحواذ، توافق الاقتصاديون على ضرورة وضع قواعد محددة لحماية المستهلك، وإنشاء هيئات رقابية مستقلة لتطبيقها. فى مجال الدمج والاستحواذ، أنشأت معظم الدول هيئات من بين مهامها اعتماد هذه الصفقات. فى مجال البنية الأساسية، تم إنشاء أجهزة مستقلة لحماية المستهلك وضمان عائد معقول للمستثمر، وذلك بتبنى قواعد تسعير تتخطى الميزة المعلوماتية للشركات المحتكرة. على سبيل المثال، تبنت المملكة المتحدة قاعدة لرفع أسعار خدمات البنية الأساسية قوامها معدل التضخم ناقص نسبة مئوية للزيادة فى الإنتاجية، وذلك كبديل لقاعدة العائد العادل على الاستثمار التى تعتمد على معلومات غير متاحة. لدينا فى مصر مثل هذه الهيئات الرقابية ومثل هذه القواعد، إلا أنها تتفاوت فى كفاءتها وصحة القواعد المعمول بها.

عودة إلى الشأن السياسى ولجنة السياسات، أظن أن هذه اللجنة مارست نوعا من الاستحواذ يشبه استحواذ الشركات الاحتكارية على منظميها. لم يكن مصدر قوة لجنة السياسات تمتعها بمعلومات غير متاحة للآخرين، وإنما قربها ممن بيدهم مقاليد الحكم، وغياب الإطار المؤسسى الذى يحد من قدرتها على ذلك. أحد آثار هذه الظاهرة كان غياب المنافسة السياسية، وتقلص مساحة السجال بين من يمثلون مصالح الجماعات المختلفة فى المجتمع. فى الشق الاقتصادى، تم تحقيق قدر معقول من احتواء عجز الموازنة والدين العام، وتراكم الاحتياطى لدى البنك المركزى، ومعدلات نمو يعتد بها (حوالى 5%)، إلا أن هذه الإنجازات صاحبها سوء توزيع فى عوائد النمو، وانتشار رأسمالية المحاسيب، وتواضع الإنجاز على المسار الديمقراطى.

هل تغير الحال الآن كثيرا عما كان عليه قبل 2011؟ لا أدعى أننى عليم ببواطن الأمور، لكن هناك من الظواهر ما يدعو إلى عدم الراحة. صحيح أن الحزب التابع لرئيس الجمهورية قد ولى، لكن لدينا ائتلاف برلمانى به بعض سمات الحزب الشمولى. وصحيح أيضا أننا ليس لدينا لجنة سياسات، لكن هناك فصيل من المصريين يرفض القبول بالتعايش السلمى مع باقى المصريين. وأخيرا صحيح أن لدينا عددا كبيرا من أحزاب المعارضة، لكن قواعد هذه الأحزاب ليست راسخة أو واسعة الانتشار. باختصار شديد، لدينا هشاشة فى المناخ السياسى، وهو ما يترك فراغا من الممكن أن تملأه قوى أخرى، ظاهرة أو خفية.

باختصار شديد، لا أظن أن أسلوب الاستحواذ فى الاقتصاد أو السياسة، دون قواعد حاكمة ولاعبين فاعلين، هو الأسلوب الأفضل للدفع بهذا البلد للأمام. الحوكمة الرشيدة هى أفضل السبل للتقدم، وليس علينا أن نخترع العجلة بعد أن تم اختراعها.

------------------------
الخبر : الاستحواذ الاقتصادى والسياسى .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق