عاجل

المُضحِكات المُبكِيات فى لجاننا «العلمية» (5)

0 تعليق 46 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

استندت الهيئة «الاستشارية» للمشروع القومى للترجمة فى رفضها كتاب «الإسهام العربى المعاصر فى الثقافة العالمية.. حوار عربى- غربى» إلى ما اعتبرته مجرد «تجميع» لدراسات فى مجالات معرفية مختلفة، وأنه سبق لها أن رفضت ترجمة أعمال «مماثلة» لمؤتمرات تقوم على أوراق مجمعة، ومن ثَمَّ فهى لا يمكن لها أن «تقبل» ترجمة ونشر ما سبق أن رفضته.

لكن هذا «التعليل» يشهد على أن اللجنة المصونة لم تقرأ حرفا واحدا من الكتاب الذى رفضته!، فهو فى السطور الأولى من مقدمته ينص على أنه «ليس مجرد أعمال مؤتمر» يقوم حول موضوع «مشترك»، إنما هو عمل جماعى ينهض على مبدأ وحدة المعرفة، وأن هذه «الوحدة» مستمدة من سعى جماعى لإعادة تأسيس مختلف التخصصات على منبعها الحقيقى، وهو إشباع حاجات الغالبية العظمى من الأهالى المنتمين لمجتمع معين فى مرحلة محددة من تاريخه، لها خصوصيتها النسبية المختلفة عن خصوصيات مجتمعات أخرى، ولو تزامنت معها، ومن ثَمَّ يتعين عليه أن يعيد النظر فيما يتلقاه من حلول وتقنيات صادرة عن خصوصيات مجتمعية مختلفة، ابتداء من وعيه بالاختلاف الموضوعى لخصوصيته هو فى تلك المرحلة من تطوره.

ولما كان من المستحيل على باحث واحد أن يكون متخصصا فى كل تلك المجالات المعرفية المتشعبة، ولاسيما فى العصر الحديث، لذلك توجب وجود تعاون جماعى من باحثين متخصصين، كلٍّ فى أحد تلك المجالات، لكن ابتداء من هذا المبدأ العام الذى يقوم عليه ذلك التعاون المشترك، وهو وحدة الهدف من البحث المتخصص فى كل منها لإشباع سياق مجتمعى بعينه، ولو لجأ للاستعانة بما تقدمه مجتمعات أخرى فى كل من تلك المجالات التخصصية، فليس من المعقول أن نبدأ من الصفر، أو أن نعيد إنتاج ما توارثناه عن الأسلاف من حلول كانت تُشبع احتياجات مجتمعاتهم فى أزمانهم، لكنها صارت لا تفى بما نحن بحاجة إليه فى سياقاتنا الحالية، إلا أنه ليس من الرشيد أيضا أن نطبق حلول الآخرين كما هى، مهما تقدمت، على واقعنا دون النظر للاختلاف الموضوعى بين متطلبات حياة الغالبية العظمى من شعوبنا، وما تقدمه هى من حلول، ودون إعادة النظر فيها، ابتداء من هذا الاختلاف الموضوعى بين الذات والآخر، أى ابتداء منا نحن، وليس مجرد امتداد لما تنتجه.

وأضرب على ذلك مثالا بالبحث الأول المقدم فى هذا الكتاب «المرفوض»، وهو للدكتور محمد رؤوف حامد، أستاذ علم الأدوية- حاليا- فى المركز القومى للإتاحة الحيوية، فعندما عاد من بولندا بدرجة الدكتوراه فى تخصصه، وعُين محاضرا لعلم الأدوية فى جامعة الفاتح فى ليبيا فى عام 1980، وجد أن ما تنص عليه «الإرشادات» المرفقة بالدواء الغربى لعلاج قرحة المعدة والأمعاء لا تنطبق على الليبيين، وأن مرجع ذلك أن الليبيين يستهلكون نوعا من الشطة الحارة مع كل وجبة، يطلق عليها «الهريسة»، واسمها العلمى «ألكابسايسين»، وأن تناول هذه المادة بانتظام لا يُفضى للإصابة بقرحة المعدة، كما تنص عليه الأدبيات الغربية «المتخصصة» فى هذا المجال، ولاسيما تعليمات «إدارة الغذاء والدواء» الأمريكية الموسومة(Food and Drugs Administration (FDA، وإنما على العكس من ذلك يؤدى للوقاية من ذلك الداء.

وهكذا نشر ما توصل إليه مع طلبته من نتائج فى الدوريات العلمية المتخصصة، مما أثار استشارة تولد عنها تحدٍّ للمتعارف عليه «عالميا» فى هذا المجال، وذلك ليس فقط بالنسبة للتخصص «الدقيق»، وإنما بصورة خاصة بالنسبة لشركات صنع الدواء، ولاسيما أن 40 فى المائة من التجارة فى السوق العالمية تخص الدواء المصنع فى الغرب من جانب شركات غربية ضخمة تحتكر إنتاجه والمتاجرة به، بينما تنتجه وتجربه قبل «تدويله» ابتداء من معايير غربية مستمدة من «عينات» مجتمعاتها الواقعة فى بلاد الشمال.. ولما كانت هذه مفارقة فى أسلوب حياتها، وإعادة إنتاجها، لما تلجأ إليه المجتمعات غير الغربية فى إشباع احتياجاتها اليومية، فلا عجب من أن ينتج هذا التناقض المشار إليه.. لكن الوقوف عليه يحتاج منا تقعيدا «معرفيا»، تمثل فيه عملية التلقى الواعى «إنتاجا» لحلول بديلة تشبع احتياجاتنا على نحو أفضل، كما تدعو الآخر «المتقدم» إلى استلهامها فى تصحيح مساراته، وهو ما سنتطرق له فى مقالاتنا التالية.

* أستاذ مناهج البحث، وفلسفة المعرفة، ورئيس «الرابطة الدولية لدراسات التداخل الحضارى»

------------------------
الخبر : المُضحِكات المُبكِيات فى لجاننا «العلمية» (5) .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق