عن «بؤر المراحيض» والخروج منها

0 تعليق 80 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

ربما قالها فى إطار اعتباره للسياسة كنوع من التسلية والفرقعة الإعلامية، أو ربما قالها بتلقائية، معتقدا أنها لن تخرج للمجال العام.. لكنه قالها بوضوح؛ وصف الرئيس الأمريكى الفذ بعض البلدان التى يتدفق منها المهاجرون لبلاده بأنها «شيتهولز». احتار البعض فى ترجمة الكلمة إلى العامية، أما عن ترجمتها الأنسب للفصحى فربما تكون «حفر البراز»، أو «بلوعات البراز»، أو بؤر البراز.. على أى حال، وبصرف النظر عن عنصرية «ترامب» (وليس هناك الكثير من الشك الآن بشأنها)، لماذا فعلا ينزح الكثير من الناس من دول الجنوب؟ بل لماذا تجد تلك الدول عامة فى حالة أصعب بكثير من بلد مثل النرويج، التى يبدو أن «ترامب» يرحب بالمهاجرين منها؟ هل هو موضوع يرتبط بالعنصر والجنس، كما يعتقد أمثال «ترامب» ومؤيديه، أم ربما يتعلق بالتاريخ الاستعمارى (كما يعتقد بعض الليبراليين)؟ فى رأيى أن الموضوع يتعلق أساسا بعامل آخر أهم: ببساطة، بالثقافة المسيطرة ومدى تأقلمها مع تحديات العالم الحديث.

أولا، تجب الإشارة إلى أن هناك فعلا أماكن يمكن أن توصف وبدقة بأنها بؤر للبراز، منها عاصمة المكسيك مثلا (خاصة فى بداية التسعينيات)، التى عجز الصرف الصحى فيها عن استيعاب أكثر من نصف المخلفات، فصارت «طافحة».. وبعد أن جف الطفح، اختلط بالتربة وحام فى الهواء الملوث. هذه الظاهرة انتشرت أيضا فى مدن أفريقية عدة، بل عرفناها فى حوارى وعشوائيات مصر (ربما بقدر وحدة أقل).

كيف تصل مدن العالم الثالث لهذا الوضع؟ الأسباب كثيرة بالطبع، لكن ربما أهمها الهجرة الكثيفة من الريف، التى تأتى مع الزيادة السكانية المصاحبة لتدمير طرق الحياة التقليدية والعجز عن استبدالها بسبل تتماشى مع تحولات الحداثة (وفى مصر تحديدا يمكن إضافة تجريف الأراضى والتمدن العشوائى فوقها).

لأن البلدان المعنية لم تتأقلم مع الحداثة، فاقتصاد مدنها يعجز عن استيعاب أعداد النازحين، لأنه اقتصاد تقليدى غير صناعى، راكد ومحدود.. ثقافيا أيضا، لا تستطيع المدن استيعاب الأعداد النازحة، فتتحول إلى قرى عشوائية عملاقة، عديمة المدنية، تسودها قيم وأخلاقيات وممارسات قد تكون مفيدة فى الحياة الريفية النائية، لكنها مدمرة فى سياق مدنى حديث.. قيم مثل المحسوبية، النابعة جزئيا من الإحساس بالولاء للأقارب من أهل وعشيرة وعائلة و«بلديات»، وتجذر الثقة فيهم على حساب الإحساس بالمسؤولية تجاه المجتمع الوطنى الأعم، والتطلع للتعاون البناء بين أفراده ومؤسساته.. بالإضافة، إلى أن التقاليد الريفية التقليدية قد تحتفى بقيم الاستقرار والانصياع لما هو نمطى، على حساب قيمة التجديد الفكرى والإنتاج المعرفى والثقافى.

كل ذلك يؤدى إلى تدنى القدرة على المنافسة فى عالم يرتبط فيه الإبداع العلمى والمعرفى والثقافى، والإدارة الرشيدة واختفاء اقتصاد المحسوبية، بالتقدم الاقتصادى.. مما ينعكس على الكفاءة فى التخطيط، وفى النهاية على القدرة على بناء وصيانة بنية تحتية قادرة على استيعاب متطلبات (ومخلفات) تعداد السكان المتزايد.. مما يؤدى بدوره إلى الـ«طفح»، المتجه من حيز العشوائيات المكتظة ونحو الشمال الغربى المتقدم.

لظاهرة الفشل المؤدى إلى «الطفح شمالا» إذن جانب معرفى، أو بمعنى أصح فقر معرفى نابع عن تدنى قيمة العلم والثقافة والإبداع، وأيضا جانب يتعلق بانحطاط كفاءة الإدارة والتخطيط، فى ظل سيادة اقتصاد المحسوبية النابع عن تقاليد عشائرية ريفية.. ذلك بالإضافة لمعوقات بيروقراطية نابعة جزئيا من محاولات للحد من تفشى الفساد والمحسوبية.

يمكن مما سبق استنتاج أنه من المرجح أن حماية المجتمع الحديث من الفشل (فى سبيل الخروج من بؤر البراز) له جانب قانونى وأخلاقى مهم.. يرتبط بقوانين تحمى حقوق الناس خلال تعاملاتهم، خارج إطار أعراف العائلة والعشيرة، ويحمى الحرية ويدعم التعددية.. وجانب أخلاقى أيضا، لأنه فى غياب ثقة فطرية بين المواطنين «الغُرب»، واحترام متبادل (بما فى ذلك لحرية الاختلاف)، وإحساس بالمسؤولية تجاه البيئة المجتمعية التى يعيش فيها المرء- حتى لا تتحول إلى خراب مجسد فى عشوائيات طافحة فى مدن منهارة- لن تنجح كل القوانين المسنونة فى إحراز تقدم يذكر.. بل ستتضاعف وتتعقد نصوصها، حتى تصبح عائقا عبثيا وعبئا بدلا من أن تساهم فى الحل.

لنأخذ البيروقراطية المصرية كمثال، رغم أنها تتعامل مع المواطن وكأنه نصاب ومحتال من حيث التعريف، فلا يحد ذلك من انتشار الفساد. إنما يزيد من الركود الاجتماعى، ويحجّم الحركة الاقتصادية، ويعمل على تقليص الثقة فى الدولة، والإحساس بالانتماء والمواطنة والمسؤولية تجاه المجتمع.. مما لا يساعد على صيانة المصلحة العامة، حتى يعم الخير بدلا من أن ينهش- كل من يستطيع أن ينهش- حتى يعم الخراب العارم، وهى الظروف التى لا يمكن خلالها الخروج من البئر.

------------------------
الخبر : عن «بؤر المراحيض» والخروج منها .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق