هل تنجح الدبلوماسية فى حل مشكلة السد؟

0 تعليق 40 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

القاهرة وأديس أبابا اتفقتا على أن يكون النيل «مصدرًا للتلاحم والتنمية وليس الصراع»، هذا هو الموقف المعلن المعتاد من البلدين عندما يلتقى القادة، ولم تخرج المباحثات التى جرت أخيراً بين الرئيس السيسى ورئيس الوزراء الإثيوبى ديسالين، ولَم يمر وقت طويل حتى خرجت وكالة الأنباء الإثيوبية لتفيد بأن رئيس الوزراء ديسالين يرفض تحكيم البنك الدولى حول الخلاف مع مصر بشأن سد النهضة. ونقلت الوكالة عنه قوله إن «إثيوبيا لا تقبل تحكيم طرف آخر فى مفاوضات اللجنة الفنية الثلاثية مادامت هناك فرصة لدى بلاده ومصر والسودان فى حل الخلافات العالقة». وفوراً ردت الخارجية المصرية على لسان المتحدث باسمها السفير أحمد أبوزيد: مصر أعربت عن قلقها بشأن تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبى، وإن «من يعترض على الاقتراح المصرى فليقدم أسبابا منطقية، لأن الأمر لا يتحمل المزيد من المماطلة».

حتى وقت قريب، كانت العلاقة بين مصر وإثيوبيا محكومة باتفاق وُقع تحت إشراف بريطانيا فى عام 1929، ثم وعد حاكم إثيوبيا رسميا وقتها بأن بلاده لن تقوم بأى عمل على النيل الأزرق وبحيرة تانا ونهر سوبات، وعلاوة على ذلك حصلت القاهرة على وعد بعدم قيام إثيوبيا بأى مشاريع تضر بمصالح مصر.

ولكن فى حالة من السرية فى عام 2011، وبعد حالة الانهيار المؤسسى للدولة المصرية بعد أحداث تلك الفترة وسقوط نظام مبارك، استغلت إثيوبيا هذا الوضع وبدأت فى تنفيذ عمليات إنشاء السد وهى مطمئنة إلى أنه لا قلق من أى رد فعل مصرى فى ظل الحالة التى فيها مصر. وفى عام 2013 صوّت البرلمان الإثيوبى على إلغاء الاتفاقات القديمة مع الدول المجاورة وإبرام اتفاقات جديدة، لكن محمد مرسى تولى السلطة فى مصر ثم أطيح به، وبعد ذلك جاء الرئيس عبدالفتاح السيسى، الذى اهتم بالقضية وعقد اتفاقا ثلاثيا مع إثيوبيا والسودان فى عام 2015، إلا أن شركاء مصر فى الاتفاق لم يهتموا بالوعد الغامض بـ«مراعاة مصالح مصر»، حيث لا يحمل ملامح محددة لطبيعة وحدود هذه المصالح.

الأمر الواقع يقول إن إثيوبيا الآن تبنى السدّ فى منابع النيل الذى سيحرم مصر من تدفق النهر كما اعتادت طوال تاريخها، وهو الأمر الذى يهدد البلد، الذى يعتمد الجزء الأعظم من سكانه الذين تعدوا المائة مليون على مياه النيل، بمواجهة حالة فقر مائى حقيقى. وبينما لا تترك القاهرة أى أمل فى التوصل إلى حل دبلوماسى للصراع تتواصل الجهود لمحاولة التوصل إلى حل يجنب المنطقة أزمة حقيقية. لذلك تستمر الجهود المصرية من أجل الحفاظ على قنوات التواصل، وتستمر فى إيجاد مقترحات يعتقدون أنها يمكن أن تكون بمثابة حل وسط يضمن لإثيوبيا الاستمرار فى بناء السد، وفى نفس الوقت يضمن لمصر استمرار حصولها على حصتها من مياه النهر كما يحدث على مر العصور.

تعثّرت المفاوضات حول السد فى نوفمبر من العام الماضى، بعد أن أخفق وزراء الرى فى مصر والسودان وإثيوبيا فى التوصل إلى اتفاق بشأن اعتماد التقرير الذى أعده خبراء المكتب الخاص بدراسات السدّ- خاصة أن أديس أبابا أعلنت الانتهاء من نحو 60 بالمائة من جسم السد- حيث رفضته السودان وإثيوبيا، فيما أبدت مصر موافقتها. ويبدو أن الموقف السودانى أقرب إلى إثيوبيا منه إلى مصر، إذ عبّرت الخرطوم أكثر من مرة عن اعتقادها بأن السد ستكون له فوائد على دول المصب، بخلاف ما تخشاه القاهرة.

الرئيس عبدالفتاح السيسى وقّع إعلان المبادئ فى الخرطوم مع رئيس وزراء إثيوبيا هايلى مريام ديسالين والرئيس السودانى عمر البشير.

وأبدى الزعماء الثلاثة ترحيبهم بالاتفاق فى كلمات بالقصر الرئاسى فى الخرطوم، حيث شاهدوا فيلما قصيرا عن «سد النهضة العظيم» يوضح فوائده للمنطقة. وحصلت إثيوبيا على دعم قوى من دول حوض نهر النيل الأخرى، رواندا وتنزانيا وأوغندا وكينيا وبوروندى.

إن تضمين مبدأ حسن النية فى اتفاقية إعلان المبادئ الخاصة بسد النهضة التى وقعها الرئيس عبدالفتاح السيسى مع نظيره السودانى عمر البشير ورئيس الوزراء الإثيوبى ديسالين، خلال زيارة للسودان، اعتبرها المصريون ضمانة مهمة لهم، حيث تمثل حجة قانونية دولية داعمة لمصر وملزمة لإثيوبيا تحديدا فى انتفاعها من نهر النيل وأيضا من سد النهضة.

وتضمن الاتفاق آلية لتسوية النزاعات بين مصر وإثيوبيا، من بينها التشاور والتفاوض والوساطة والتوفيق، وكلها أدوات نص عليها القانون الدولى لتسوية أى خلافات قد تطرأ حول تفسير أو تطبيق بعض نصوص الاتفاق.

ويؤكد الاتفاق عدم المساس بالاتفاقيات التاريخية لمياه النيل، ولا يتناول حصص المياه أو استخداماتها، إنما يقتصر فقط على ملء وتشغيل السد، على أن يعقب اتفاق المبادئ اتفاقات أخرى. وهو ما لم يتم التوافق عليه حتى الآن.

التوقيع على الوثيقة فى ذلك الوقت كان معناه الموافقة المصرية لإثيوبيا على بناء سد النهضة، وعودة التمويل الأجنبى الذى كان قد توقف بعد نجاح الدبلوماسية المصرية فى حث الدول المشاركة على وقفه، منها الصين وكوريا والبنك الدولى وإيطاليا.

أصبح السد فى هذه الحالة، رسميا وشرعيا، تم بالتوافق والتراضى بين دول النيل الشرقى الثلاث مصر والسودان وإثيوبيا، وبالتالى عاد التمويل الدولى للسد وهو 5.5 مليار دولار من بنك الصين الوطنى، ومليار دولار من إيطاليا، ومثلها من كوريا الجنوبية، بالإضافة إلى موافقة البنك الدولى على طرح السندات الإثيوبية للتمويل بضمان السد، وبعدها تسارعت الخطى الإثيوبية فى بنائه والانتهاء منه تماما قبل صدور التقرير النهائى غير الملزم للمكتب الاستشارى والخبير الدولى.

إثيوبيا فرضت كلمة «يُحترَم» بدلا من كلمة «ملزم» حول تقرير المكتب الاستشارى لبناء السد، أى أن مصر والسودان ليس من حقهما الاعتراض على التقرير، ومن حق إثيوبيا أن تستمر فى بناء السد دون الالتفات لأى اعتراضات.

إثيوبيا ربحت من الاتفاق لأنها مستمرة فى بناء السد كما خططت له من البداية، وعلى الدبلوماسية المصرية الرسمية أن تستمر فى سعيها للحفاظ على مصالح مصر المائية، كما أن على القيادة السياسية أن تنتبه جيدا وهى تسعى إلى وضع اتفاق حاسم وحازم يضمن عدم المساس بحقوق مصر التاريخية فى مياه النيل.

الاتصالات يجب أن تستمر لإيجاد طريقة لحلحلة الموقف الخاص باستكمال المسار الفنى لدراسات السد وفق الطلب المصرى بإدخال طرف رابع محايد فى المفاوضات.

الأفكار التى طرحها الجانب الإثيوبى حتى الآن لم تلق قبولاً واسعاً لدى مصر، خاصة أن الرئيس السيسى أبلغ رئيس الوزراء الإثيوبى بأن مقترح دخول البنك الدولى فى المسار الفنى الهدف منه فقط الالتجاء إلى طرف فنى مشهود له بالخبرة الدولية، ومحايد فى نفس الوقت، لكن الأطراف الأخرى سواء كانت إقليمية أو دولية ستتجه بالقضية إلى منحى سياسى وليس فنيا، وهو ما قد يزيد الأمور تعقيداً دون حل حقيقى. وفيما يبدو فإن دخول البنك الدولى أصبح شرطاً مصرياً رئيسياً لإعادة التفاوض فى المسار الفنى من عدمه.

مقترح إثيوبيا بأن يكون هناك اتفاق سياسى ثلاثى بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا حول ملء خزان السد من دون انتظار نتائج الدراسات الفنية لم يلق قبولاً لدى الجانب المصرى، لإصرار مصر على استكمال الدراسات من خلال الشركات الفرنسية، التزاماً ببنود اتفاق المبادئ.

استمرار الخلاف مع الجانبين الإثيوبى والسودانى يرجع لسبب رئيسى هو الاختلاف فى تفسير إعلان المبادئ، بينما تحاول إثيوبيا تطويع بنود الاتفاق لخدمة مصالحها دون أى التزامات، وتحاول مصر الالتجاء للبنود نفسها لتقلل الآثار الضارة التى قد تقع عليها جراء عملية التخزين وتشغيل السد.

------------------------
الخبر : هل تنجح الدبلوماسية فى حل مشكلة السد؟ .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق