سلامٌ على شرم

0 تعليق 40 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

كنت حزيناً وأنا أغادر شرم. تعوَّدت يا أخى طيلة الأسبوع الماضى أن أستيقظ متى شئت، فأفتح ستارة الغرفة فأشاهد البحر الزاخر المنبسط متصلاً مع السماء الزرقاء، وفى كل مكان، حيثما ذهبت، تتناثر أحواض الزهور الملوَّنة، تشهق كل وردة بالدهشة والجمال. تتبتل كل واحدة فيها فى عشق خالقها، تتبارى فيما بينها، تقول كل زهرة: «أحبك يا إلهى أكثر من حياتى».

■ ■ ■

كان الجو مشمساً فى شرم، ويوشك أن يكون صيفياً، حتى إننى ذهبت لشراء ملابس خفيفة فى الوقت الذى كانت تعصف فيه الرياح بالدلتا، وترتفع الأمواج وتُغلق الموانئ. وكان السياح الأوكران يلقون بأنفسهم أمامى فى الماء، يشاهدون الأسماك الملونة والشعب المرجانية، يتمتعون بخير بلادى مجاناً تقريباً. وكنت أرمقهن وهن - للأمانة - أجمل نساء الكون. ذلك الجمال الباهر، الذى جعلنى أشعر أننى فرنكشتين شخصياً، أو أحدب نوتردام. فأخاطب شباب الفندق فى غيظ: «إيه الافترا ده؟ هم مالهم حلوين كده! ربنا ياخدهم».

■ ■ ■

العمر نفسه ينتهى فكيف لا تنتهى عطلة قصيرة مدتها أسبوع؟ أغادر شرم وأنا حزين ومقموص. هذه الضيافة الملكية التى تستجيب لكل أحلامى (المشروع منها بالطبع)، وشرعت أفكر فى السلطة وما تمنحه من تدليل. يكفى أن يوجد حولك أناس يتلمسون أحلامك ويحولونها إلى واقع. إذا كان العبد لله، الغلبان فى ذاته، الذى يمشى متصاغراً، ويحمد الله على كل شىء، غادر الفندق بكل هذا الحزن، فكيف بمن امتلك السلطة!؟ هل يتركها مختاراً؟ مستحيل.

■ ■ ■

بالمناسبة لست من هؤلاء البُلهاء الذين يقولون نحن لا نطيق الابتعاد عن العمل! لا يا أخويا أنا لا أعمل إلا من أجل لقمة العيش، ومستعد جداً، وبمنتهى الترحيب، أن أعيش باقى عمرى هكذا. أتمخطر وسط الحسان. أتنقل عبر الأوبن بوفيه. بعدها أرقد على الشيزلونج أصغى إلى صوت الموج وهو يضرب فى رقة الشاطئ الصخرى، وكأنه عاشقة تُقبِّل حبيبها فى شفتيه. ومن خلفى كوخ الشاى والنسكافيه والعصائر الكوكتيل تُبذل مجاناً وبغير حساب.

■ ■ ■

وهذا الأمر يقودنى إلى موضوع الإقامة الشاملة all inclusive، حيث يبذل كل شىء؛ طعاماً وشراباً وخدمات، بوفرة ودون ثمن إضافى، جعلنى ذلك أفكر فى أمرين:

بالنسبة للأمر العملى؛ فقد كان يسيئنى هذا الإهدار فى الموارد، وكم الطعام المتبقى فى الأطباق، والأكل على معدة متخمة، لمجرد أنه مجانى. يأكلون وجبات ثلاثاً؛ فهل لهؤلاء الأوكران معدة تختلف عن معدتى؟ والأغرب أنهم بين الوجبات يتناولون الفطائر والمشروبات الدسمة بإفراط، ثم ماذا يكون مصير المتبقى إلا القمامة؟

فى رأيى أن أسلوب (الأوبن بوفيه) فيه إهدارٌ للنعمة ويجب أن يتوقف نهائياً. ولْيَطْلب النزيل طعاماً محدداً بالضبط كما يفعل فى المطاعم.

■ ■ ■

أما الفكرة الحالمة التى راودتنى فهى كالتالى:

هل يمكن أن يأتى على الإنسان حينٌ من الدهر يقوم كل امرئ بعمله، كما هو مطلوب منه، على أن يأخذ من الموارد والخدمات بمقدار حاجته، دون أن يكون هناك وسيط اسمه «النقود»؟

لقد عشت أسبوعاً دون أن أضطر لحمل النقود، بعد أن دفعت حساب الفندق بالطبع، فهلا يستلهم أحفادنا هذه الطريقة ويتخلصون من شرِّ داءٍ ابتُليت به البشرية: داء المال.

■ ■ ■

سلامٌ على شرم. سلامٌ على البحر الزاخر المنبسط. سلامٌ على قُبُلات الشمس. سلامٌ على شباب مصر الأسمر المكافح المبتسم دائماً. سلامٌ لكل سمكة ملوَّنة على حدة، سألتها وأنا سابح فى الماء: «هل تحبين الله؟»، فتوهَّجت ألوانها وازدادت حسناً وحياءً، وقالت على الفور: «أحبه أكثر مما تتصور».

aymanguindy@yahoo.com

------------------------
الخبر : سلامٌ على شرم .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق