عاجل

من قال إن أبى قد مات؟!

0 تعليق 41 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

كنت أعرف أن بعض ملامح الحزن الذى ارتسم على وجهه لم يكن جزعا من موت واجهه أكثر من مرة مقبلا غير مدبر فى سيناء، وهو يشارك فى ردع عدو غادر، وهناك فى أفريقيا وهو يساهم فى تأمين وترويض نهر متدفق، وبينهما عمر من الاقتراب والمواجهة مع الموت.

لكن حزنه أنه يأتى هذه المرة دون قتال. دون منافسة وكر وفر. وبتعبيره «دون مقاوحة».

لم تكن معركة.. مثلها مثل يونيو التى لم يقاتل فيها، ولم يقاتل زملاؤه الذين سبقوه للميدان، وقبل أن يشرعوا فى الضرب كانت المعركة انتهت، والعدو تمكن واحتل واستعمر وارتكز.

لكن ولأنه من ذلك الجيل الذى التحق بعدها بصفوف المقاتلين لنحو ١٤ عاما تالية، وعرف قيمة أن تربح معركة بعد قتال، وشرف أن تخسر جولة بعد قتال أيضا، كان يظن أن المرض الخبيث سيمنحه شرف القتال، ولن يأخذه- بتعبيره- «على خوانة»، وسيناوره وقتا ويقضى معه ما تبقى من العمر فى شد وجذب قد يلقى فيه صنوفا من عذاب، لكنهما أفضل عنده من أن يطلب منه طبيب أن يستسلم فى ذات اللحظة التى يتعرف فيها على هوية العدو الذى يحتل جسده ويسيطر على بعض أجهزته.

يستسلم هكذا دون أن يناور العدو، أو يأخذه فى جولة صعبة لا تجعل منه صيدا سهلا، كما لم يكن أبدا صيدا سهلا حتى وقت حصار قاس حاول به المحتلون العائدون من صدمة العبور استرداد بعض مما تحرر بدماء وعزم وإقبال على الموت.

كانت صلابته تلك هى المشكلة..

هى التى جعلت المرض يتوغل ويتمكن ويوجعه فى توغله وتمكنه فلا يكترث، ويتعامل مع الألم باعتباره عارضا لا يجب أن يتوقف بسببه الجهاد فى الحياة.

يمشى ويتحرك حتى بعد تقاعده عن الخدمة فى وزارة الرى، يزور رفاق السلاح، له فى كل مدينة صديق وربما فى كل قرية، وحين تسأله: كيف اجتمع حولك هذا الحشد من الأصدقاء، كان يقول: عشرة موت.. سنوات طوالا نتشارك الإقبال على الموت فى جولات الاستنزاف، والحياة فى الخنادق ومعسكرات التدريب المهددة دائما بالقصف، نتعامل مع العدو على الشاطئ الآخر من القناة باعتباره مرضا عارضا ونحن جراحون مستدعون لاستئصاله وتحصين الجسد بعد الجراحة من أى انتكاس. نترقب لحظة الهجوم. نعاشر الموت ونقترب منه ونتعرف عليه كما نرسم للحياة خططا وأحلاما.

مات أبى واقفا وهذا يكفيه..

سبعة عقود وبضع سنين يمشى منتصبا على قدمين لهما فى كل مكان أثر طيب ورفاق طيبون.. من الدلتا شمالا إلى سيناء شرقا إلى السودان جنوبا، وحين رقد لأول مرة كانت رقدة الموت.

وكانت بضعة أشهر معدودات من محاولة اكتشاف العدو الجديد، ورضا واحتساب وكأنه الانسحاب المدروس.

الأرض التى حارب من أجلها والنيل الذى تغرب لضمان تدفقه قيمتهما فى بقائهما، وفى من يتوارثونهما، لكن قيمة الانسان فى روحه وسيرته، لا قيمة للجسد، لذلك تركه للمرض الطامع وأفلت بالروح.

ربما ينظر خلفه وأنظر معه لأرى تاريخا حاضرا يشبه تواريخ كل آباء هذا الجيل الذى لم تستثمر طاقاته وإخلاصه كما ينبغى من بعد النصر.

تاريخ يكفيه كصدقة جارية لا ينقطع بها عمله.. جهاد فى سبيل الله، وصحراء دخلها مقاتلا لتحريرها، وخرج منها مساهما فى تعميرها وتخضيرها وإيصال الماء لسهلها القديم.

وبين الدخول إلى سيناء والخروج منها كان الاتجاه جنوبا مع نهر النيل وسط رجال مخلصين آخرين فى مؤسسة الرى لا يقلون وطنية وجهادا عمن تركهم فى القوات المسلحة، كان همهم ضبط النيل وتدفق مياهه، وكان هناك معهم فى سد أسوان العالى، وعند قمة سد جبل أولياء، وفى أسوان وأم درمان وجوبا وكمبالا.

أليس له مثل كل جيله صدقة جارية فى كل حبة رمل معمرة فى سيناء وكل حبة محررة تنتظر التعمير؟.

أليس له مثل كل جيله صدقة جارية فى كل مورد يأتى من القناة ليعاد استثماره فى قضاء مصالح الناس؟.

أليس له مثل كل جيله صدقة جارية فى كل قطرة ماء تتدفق لتروى البشر والشجر فى هذا الوطن؟.

بلى والله أكرم من كل ذلك وأوسع فضلا.

هل مات أبى إذن؟!

وأثر قدمه ألحظه فى كل مكان.. فى منزله وفى شوارع القرية، ومحطات القطارات التى قضى عبرها سنوات الترحال وحفظ أسماءها وأماكنها، وفى بقع كثيرات على الخريطة فى مصر والسودان، وفى ملامحى واسمى الذى يحمل اسمه.. «الصاوى وشهرته أحمد الصاوى».

هذه بعض ملامح سيرة رجل عادى مثله مثل الآلاف من أبناء جيله، وكنت أتساءل: كيف جاءت على مصر لحظة كان قوامها هؤلاء العاديين المخلصين المثابرين ولم تعبر لمكانها المستحق فى العالم، كما عبرت أرضها المستحقة؟!

هل كانت المشكلة مشكلة جيل أم جنرالات؟!

من قال إن أبى قد مات وهو ابن هذا الجيل؟، ومن قال إن الدعاء له شأن يخصنى وحدى وهو ابن مرحلة فخر ودأب تخص مصر كلها؟.

لروح أبى سلام.

sawyelsawy@hotmail.com

------------------------
الخبر : من قال إن أبى قد مات؟! .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق