عاجل

محنة الموسيقى

0 تعليق 41 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

(1)

السياسة من دون الحداثة لا تعنى الكثير.. والحداثة من دون السياسة لا يمكنها الصمود.. الحداثة والسياسة هما عماد الحضارة العالمية المعاصرة.

ثمّة تعريفات عديدة للحداثة.. وهذا أمرٌ لا يخصّ الحداثة وحدها، بل هو يخصّ كافة المفاهيم الكبرى فى العلوم الاجتماعية. وهنا فإنّنى أعنى الحداثة التى تتوافق مع الإيمان.. ولا تذهب إلى هدم السلوك والأخلاق.. أو تدمير قيم العائلة والدولة.

ولقد تحدثت فى كتابى «الحداثة والسياسة»، قبل سنوات، عن ضرورة أنْ تخدم الحداثة قيم الدولة. وظنّى أن سيادة العقل والعلم، وقوة الدولة والمجتمع، وإطلاق طاقات البناء والتنمية، والحفاظ على الدين والقانون.. تمثل عماد الحداثة التى أعنيها.

(2)

لقد مرّت مصر بمرحلة القوة العظمى فى عهود عديدة.. ثم مضت إلى مرحلة الدولة الكبرى الحديثة فى عهد الزعيم المصرى محمد على باشا، ثم فى عهد الزعيم الكبير الخديو إسماعيل.. إنها تأرجحت لاحقًا بين القوة والضعف.. الصعود والهبوط.. الحداثة ونقيضها.

ومن المؤسف أن بعض الباحثين قد رأى فيما جرى فى مصر عودةً إلى الوراء.. إلى «ما قبل الحداثة». وأشار باحث انثروبولوجى أمريكى يدعى «والتر أرمبرست» إلى أن الكثير من الأوضاع فى مصر قد مضت بسرعة من الحداثة إلى ما قبلها.. وليس من الحداثة إلى ما بعدها.. وضرب لذلك مثلاً بـ«نقابة المحامين».. عنوان الحداثة المصرية.. التى ظهرت فى فيلم سينمائى مصرى وهى تمتلئ بالفوضى والارتباك.. بينما يغنّى المطرب الشعبى «أحمد عدوية» أغنيته الشهيرة «زحمة يا دنيا زحمة».. وهكذا فإن نقابة المحامين المصرية.. ركيزة العصريّة والمؤسسيّة.. ورمز الحداثة والتحضّر.. باتت- برأيه - رمزًا لغير ذلك.

لاتزال مؤسسة المحاماة فى مصر تبذل جهدًا جيدًا لأجل الحفاظ على المهنة وآدابها.. وعلى مؤسساتها وهياكلها.. لكن ما ذهب إليه الباحث الأمريكى.. يقوله كثيرون ممّن يرصدون اندفاع عجلة القيادة المصرية باتجاه الخلف فى العقود الأخيرة.

أولئك الذين يقارنون حالة القاهرة قبل قرن أو قرنين وحالتها فى وقت لاحق.. عن بولاق التى كانت مكانًا للطباعة والنشر وساحةً للمؤلفات والموسوعات.. تحيطها الحدائق وجداول المياه.. ثم صارت رمزًا لشىء آخر. عن مدن الأقاليم التى كانت تمتلئ بالجمال.. وتتوزع فيها المساحات الخضراء والمنشآت الراقية.. وعمّا آلت إليه. عن الترع والجسور التى كانت أجمل من ضفاف الدانوب ثم إذا هى مكان للسخرية من الفقر والمرض.

(3)

إن الحداثة المصرية قد انكسرت فى المبنى والمعنى.. وكانت السياسة هى سبب انكسار الحداثة.. كانت السلطة وراء انكسار المعرفة.. وهبوط الذوق.. وتراجع مساحة الرقّى والجمال.

ولقد أدّى ذلك كله إلى ما نشهده اليوم من المستوى المعرفى الضحل للعديد من وسائل الإعلام، والمستوى اللاأخلاقى لموسيقى الرّعاع.. الذين بدأوا يروجون للأغانى الخارجة والكلمات الصادمة.. باعتبارها فنونًا تعبّر عن روح العصر وطبيعة الجيل.. وقد يزيد أشباه المتعلمين بأنها تعبّر عن روح السخط والغضب.

إن عناوين عدة أغنيات تم بثها مؤخرًا.. تدل على جرأة غير مسبوقة فى تدمير القيم والآداب العامة فى بلادنا، ثم إنها باتت تستفيد من إجراءات التقاضى وما تأتى به من شهرة واسعة.. تساعد فى إعادة إنتاج تلك القمامة وسهولة توزيعها.

إن ما تشهده مصر من هبوط القوة الناعمة إلى هذا الدرك.. هو خطر على الأمن القومى المصرى. إن السياسة هى المسؤولة عن الحداثة.. ولا يمكن توجيه اللوم إلى قطيعٍ آخر من السفهاء يعيث فى مصر.. إنتاجًا وأداءً وتسويقًا.. إنمّا يتجّه اللوم إلى السلطة الثقافية فى مصر.. التى خرجت هى الأخرى من الحداثة إلى ما قبلها.

تحقق «موسيقى الرعاع» ملايين المشاهدات.. وهو ما يدفعنا إلى الفزع من تلك المساحة الهائلة التى غزاها أولئك المجرمون.

نهاية القول.. يجب إيقاف هذا الزحف غير المقدس.. يجب الشروع فى تأسيس مشروع ثقافى وحضارى.. ينهض على تحرير الفنون والآداب، وتعزيز الثقافة الوطنية.

حان الوقت لإعادة بناء القوة الناعمة المصرية.. حان الوقت لإعادة ترميم الدولة المصرية.

حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر

------------------------
الخبر : محنة الموسيقى .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق