عاجل

القاهرة وواشنطن.. فن إدارة الخلافات

0 تعليق 42 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

تتباين العلاقات المصرية الأمريكية فى كثير من المواقف، إلا أن التصريحات الصادرة من واشنطن أو القاهرة تشير إلى أنها علاقات استراتيجية كبيرة وهناك حرص على استمرارها، ووضح هذا للعيان مع تولى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، والذى أصلح كثيرا مما شاب هذه العلاقات إبان إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، وإذا كان التوافق يغيب فى ملفات قليلة، يظل الأمر الأهم، كيفية إدارة الخلافات بما لا يؤثر على العلاقات بين البلدين.

البيت الأبيض والخارجية الأمريكية ليس لهما موقف ثابت فى القضايا الداخلية والخارجية، ومن ثم من الطبيعى أن يكون هناك اختلاف بين واشنطن مع برلين، لندن أو مع أنقرة، وبالمثل القاهرة، ولكن المهم هنا كيفية إدارة الأزمات والعبور بالخلافات لبر الأمان، وهو ما يعزز من دعوتنا لتأسيس مراكز للتفكير Think Tanks، فى واشنطن والقاهرة، للتواجد والتوغل فى المطبخ الأمريكى، كغيرها من المراكز والمؤسسات البحثية ذائعة الصيت فى الولايات المتحدة، حتى لا تكون الساحة مفتوحة للبعض ومصر غائبة، فإسرائيل مثلا لديها ٦٣ مركزا فى الولايات المتحدة، وكثيرا ما يتحدث البعض عن اللوبى اليهودى وتأثيره فى صناعة القرار هناك، لذا أين نحن من هذا التواجد؟ ولماذا لا نبحث عن اللوبى المصرى؟

وعلى هذه المراكز دراسة القضايا العالقة بين الطرفين وتقديم سيناريوهات للحكومة المصرية تستفيد منها فى أى حوار مع واشنطن، بما يحافظ على المصالح المصرية من جهة، وعدم دخول العلاقة مع واشنطن إلى حد الصدام كما ظهر فى عهد أوباما.

ولإنجاح هذه الخطوة لابد من تأسيس مراكز كما أشرنا، وتضم نخبة من المهتمين بالشأن الأمريكى قادرين على مخاطبة أعضاء الإدارة الأمريكية أو نواب الكونجرس، أو المراكز البحثية والمنظمات الحقوقية البارزة، حتى يكون هناك لغة حوار قابلة للفهم، وتبادل للمصالح العليا بين البلدين، وتقليل من حدة التراشق الإعلامى المبنى على معلومات مغلوطة أحيانا، أو الانحياز لمواقف سياسية بعينها بعيدا عن المهنية والحياد المطلوب، وتقديم رؤية شاملة لرئاسة الجمهورية والحكومة، بدلا من العشوائية التى تسيطر على النشهد الإعلامى، والاعتماد على غير المتخصصين وغير المعروفين لدى صناع القرار فى واشنطن.

وفى هذا المكان، سبق أن تساءلت فى مقال سابق بتاريخ 27 يناير 2017، ماذا لو أصر ترامب على تنفيذ وعوده الانتخابية بنقل السفارة الإسرائيلية إلى القدس؟.. هل تملك مصر سيناريوهات للتعامل مع المواقف؟.. هل هناك أطروحات يمكن أن تقدمها كبدائل لخلخلة الأزمات.

حتى جاء القرار الذى لم يكن مفاجئا لى، فمثل هذه القرارات ليست بعيدة عن تركيبة ترامب السياسية والتجارية والشخصية أيضا، ودورنا توقع ردود الأفعال حتى لا يكون الأمر مفاجئا ويكون رد الفعل مرتبكا.

لذا، إذا نجحنا فى تشكيل مراكز للتفكير هنا وهناك، تضم سياسيين وإعلاميين وبرلمانيين (حاليين وسابقين)، وعددا من نشطاء المجتمع المدنى لديهم خبرات واضحة بالشأن الأمريكى، سيكون من السهل فتح قنوات اتصال مع واشنطن بما يضمن فتح حوار عقلانى بلا تعقيدات أو حسابات.

وكالعادة تثار ملفات حقوق الإنسان والمجتمع المدنى والتمييز ضد الأقباط، مع كل أزمة تمر بالبلدين، وهو ما بدا من الإعداد لزيارة نائب الرئيس الأمريكى للشرق الأوسط ومصر فى ديسمبر الماضى، وتسبب قرار ترامب بشأن القدس فى تأجيلها، إلا أن القاهرة لم تستعد أيضا بالشكل المناسب لفتح هذه الملفات، وهى نفس الملاحظات التى قمت برصدها فى مارس من العام الماضى، وشددت على أن الدبلوماسية المصرية لابد من فهم أن ترامب لا يملك عصا سحرية لدفع العلاقات المصرية الأمريكية للأمام، دون أن تقوم القاهرة بجهد مماثل لإقناع الكونجرس بمزيد من الإصلاحات السياسية والاقتصادية، وأن من يعوّل على ترامب وحده للقيام بهذا الأمر اختيار غير موفق، خاصة أن هناك عدم رضا من قبل مجموعة داخل الكونجرس، يقودها جون ماكين وليندسى جراهام، بسبب القيود التى تضعها الحكومة المصرية ضد المنظمات المدنية، والحديث عن تأمين الشرطة للكنائس بسبب التهديدات الأمنية يقابله إغلاق لمئات من الكنائس بدعوى أنها بدون ترخيص، والتراجع عن القوانين التى أنصفت المرأة فى السابق.

وأذكر أننى شاركت فى كثير من المحافل واللقاءات والتقيت بكثير من الشخصيات التى لها مواقف معارضة من النظام المصرى، مثل الباحثة بمركز كارنيجى للدراسات ميشيل دان، وتناقشنا كثيرا فى تفاصيل الشأن المصرى، وأوضحنا أمورا لم تكن فى سياقها، وكذلك بعد حصولى على منحة لمدة شهر العام الماضى من جامعة ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT(Massachusetts Institute of Technology، والتى تعد من أبرز الجامعات الأمريكية، التقيت كالعادة مع كبيرة محررى واشنطن بوستLally Weymouth، التى سبق أن شغلت منصب المراسل الدبلوماسى الخاص لمجلة نيوزويك، وأجرت عدة حوارات مع الرئيس عبدالفتاح السيسى، وركزت فيها على شعبية الرئيس السيسى فى المجتمع المصرى والمنطقة العربية، وتحدثنا عن مستقبل العلاقات المصرية- الأمريكية بعد وصول ترامب للسلطة، وقمت بدعوتها لمتابعة الأجواء المصرية قبل الانتخابات الرئاسية القادمة، وألمحت لى بأنه من المهم أن تجرى مصر إصلاحات سياسية والاهتمام بملف حقوق الإنسان والحريات حتى لا يعرقل هذا الملف أى خطوات من ترامب لتعزيز العلاقات مع نظام السيسى، وشددت على أن مصر بحاجة إلى تحسين صورتها بالخارج Re-brand Egypt.

ورغم كل ما سبق، إلا أن غياب مكتب للهيئة العامة للاستعلامات، مع عدم وجود وعى برلمانى بكيفية التواصل مع العقل الأمريكى الرسمى، والقنوات الأخرى، إلى جانب تداخل غير المتخصصين فى مداخلات الفضائيات والحديث بما لا يتناسب مع المصالح العليا، كلها تصب فى عدم الاستفادة المثلى من التقارب الملحوظ بين السيسى وترامب، وعدم ترجمة الكيميا النفسية بينهما إلى خطوات ملموسة وقرارات مدروسة.

الخلاصة: كتبنا كثيرا عن القضايا العالقة بين البلدين، وسبل القفز عليها نحو مستقبل أفضل بين الجانبين، والتواجد بقوة فى الخريطة الإقليمية وإعادة توزيع المهام فى الساحة الدولية، إلا أن الملاحظ عدم إدراك الحكومة والبرلمان لما نشير إليه أو أنه لا توجد إرادة جادة للتغيير الإيجابى!

* برلمانية سابقة وأستاذ العلوم السياسية

------------------------
الخبر : القاهرة وواشنطن.. فن إدارة الخلافات .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق