موعد سري مع محمود درويش

0 تعليق 5 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

(1)

تمر اليوم 77 سنة على ميلاد الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، ماذا يمكن أن نكتب عن درويش في ذكرى ميلادٍ لم يعترف به، لأنه لم يكن يريد أن يعترف بموته؟، ماذا يمكن أن تضيف الكلمات لمتنبي العصر.. لديوان الوجدان العربي.. لشاعر المقاومة بالوردة والصرخة والبندقية؟، كيف نكتب عن الغائب وهو لا يزال بيننا يتنفّس شعرًا وألمًا وحلمًا؟، كيف ننتهي من سيرته في كلمات ونحن لا نزال نبحث في قصائده عن أسئلة لم يأتِ بعدُ أوان إجابتها: الحنين إلى خبز أمه، الإصرار على أن يكون ما يريد، مذاق قهوته الصباحية التي كان يحرص على أن يعدّها بنفسه، كيف كان يشعر حين يسجّل بالقلم الحبر الأزرق شعرًا أحمر بلون الدماء المتجددة التي تجاري الزمن تدفقا وقوة، كيف كان قلبه المريض يحتمل كل هذا الألم وكل هذا الحب؟

(2)

درويش لم يكن يحب أن يخوض في الحديث عن حياته الخاصة، فهو راهب في محراب القدس، فلسطين أمله وفلسطين ألمه.

قال عن نفسه يومًا: أنا من مواليد برج الحوت، وهو برج متقلّب.. عشت قصص حب كثيرة، لكننى لم أعِش قصة حب كبيرة، هكذا مولود برج الحوت: شغوف، عاطفى، الحب في حياته كماء البحر، فالحوت مائى لا يعيش من دون بحر، ومن دون حب ولو في الخيال، وهذا البرج العاشق لا يحب مرّة ولا مرّتين، بل مرات، وفى كل مرة يكون مخلصًا للحب لا للحبيب، لكن هل كان درويش بالفعل عاشقًا سيئ الحظ كما وصف نفسه يومًا؟ أم كان محظوظًا لكثرة ما عرف من الحب؟.. هل عرف الحب يومًا أم أنه كان يبحث عن حب مثل حب أمه «حورية» ولم يجد؟ لا أحد يختار الوقوع في الحب ولا أحد يختار فراق الحبيب، الحياة علّمت درويش أن قدره أن يمضى وحيدًا رغم كل هذا الحب الذي أحاط به منذ شبابه المبكر وحتى وفاته.

(3)

الحديث عن الحب في حياة درويش لا ينتهى.. فما أروع ما تركه لنا من قصائد حب بدأها مع «أجمل حب» وختمها مع «كمقهى صغير هو الحب»، وهى إحدى قصائد ديوانه «كزهر اللوز أو أبعد»، لقد صدق درويش كثيرًا حين قال إنه أحب كثيرًا، ولكنه كذب دون قصد حين قال إنه لم يكن في حياته حب كبير، الحب الكبير في حياة درويش كان حبّه لدرويش وإخلاصه لشعره، فاستمعوا إليه وهو يتحدّث عن مواعيده السرية:

«أوصدت البابَ ووضعتُ المفتاحَ في جيبى. أغلقتُ النوافذ وأسدلت الستائر. مسحتُ الغبار عن المرآة والمنضدة ونظارتى، وشذّبت زهور المزهرية، واخترتُ ليليات شوبان، ونزعت سلك الهاتف لئلّا تحرجنى صديقتى بسؤال عما أفعله الليلة. فكيف أقول لها إنى على موعد سرّى مع نفسى؟ هجستُ بأن الليل، كالعالم، لم يعد مكانًا آمنًا… وانتظرت بلا قلق موعدى. صببتُ نبيذًا أحمر في كأسين. وفكّرتُ بلا تركيز في ما سأقول لزائرتى- نفسى. وحدستُ بطريقتها الخاصة في تعريتى ونزع أقنعتى، وبسؤالها الساخر: منذ متى لم نلتقِ؟ سأقول لها: منذ امتلأتِ بى وامتلأتُ بك، ولجأتِ إلى صورتى عنك، ولجأتُ إلى صورتك عنى. ستسألنى: لماذا إذن لم تنسَ أن تنسانى؟ سأقول لها: لئلا تسرقنى المصادفات من الممكنات في طريقى إلى مجهولك. ستقول لى: لا أفهمك. سأقول: ولا أنا. لم يعد العالم مكانًا آمنًا، أحتاج إليك خلاصا... لماذا تأخرتِ عن الموعد؟ ستسألنى: أي موعد؟ سأقول لها: هذا الموعد- هل نسيتِ؟ لكننى لا أسمع جوابًا، وأتطلع إلى كأسها فلا أجدها. شربت كأسى وثملت وقلت: أنا وحدى في ثيابى. أعدتُ تشغيل الهاتف واتصلت بصديقتى متوسلًا: تعالى إلىَّ. فقالت: لا أستطيع الخروج من البيت، لأننى على موعد سرّىّ مع… نفسى!»

ektebly@hotmail.com

------------------------
الخبر : موعد سري مع محمود درويش .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق