زعيم التمرد الجميل

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

مات «محمود الشناوى».. واحد من أولئك الذين كانوا يملكون دأب المُجدين، ورضا المؤمنين، وتلقائية أصحاب الفطرة الذين يصلون لأهدافهم دون تنظير أو فذلكة.

هو أحد زعماء كرة القدم الحقيقيين، ربما لا تعرفه ولم تسمع عنه رغم انشغالك وهوسك بالكرة وصناعتها، والأرجح أنك لا تعرفه لأنه لم يكن زعيماً تقليدياً كهؤلاء الذين منحهم الإعلام زعامتهم، أو فرضهم نفوذ مؤسسة أو نادٍ ذو كلمة مسموعة. تستطيع أن تقول إنه كان زعيم متمردين، حاول بتمرده واجتهاده المستطاع أن يُغير النظام ليضيف عليه الكثير من الطعم الحقيقى لكرة القدم.

فى طفولتى كنت مهتماً بكرة القدم اهتمام محترفين، وحين كنت أواجه السؤال الأبدى: أنت أهلاوى أم زملكاوى؟ كنت أجيب بهدوء وثقة «محلاوى»، بينما كان فى داخلى سؤال أعمق، لماذا لا يكون السؤال: من هو فريقك المفضل؟ بدلاً من حصر الإجابات بين خيارين وكأن لا ثالث لهما.

والحقيقة التى يجدر الاعتراف بها أنهما بالفعل لا ثالث لهما، رغم محاولات متمردين كثيرين على هذا النظام، على رأسهم دراويش الإسماعيلية، لكن لذلك أسباب كثيرة ليس كلها متعلقا بكرة القدم فى ذاتها.

محمود الشناوى كان أحد هؤلاء المتمردين الحالمين بالتنوع والساعين لفرضه، والحق إنه كمدرب لفريق «غزل المحلة» وعلى مدار عشر سنوات متصلة نجح فى فرض هذا التنوع حتى ولو لحين، وفى معظم الأحيان حتى قبل نهاية الدورى بجولتين أو ثلاث. ظل خلال هذه السنوات العشر ثالث الإثنين أو رابع الأربعة، وأحد الذين يعتلون قمة الدورى ويستقرون عليها طويلاً.

وقتها كان فريق غزل المحلة «كبيراً» بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لم يحصد بطولات، لكنه كان فريقاً لديه كبرياء البطولة الذى يجعله عصياً على الهزيمة، ومنافساً حتى الأسابيع الأخيرة، وعاملاً حاسماً فى الصراع على لقب الدورى العام، وبُعبعاً لجميع الفرق‎.

ووقتها أيضاً كنت أعتقد أنه من السخف أن يكون فى مدينتنا وإقليمنا فريق مثل غزل المحلة ولا نشجعه، كنت أتعجب لماذا يشجع جيران لنا الأهلى والزمالك، وهما فريقان قاهريان، بينما فى أوروبا والدول المتقدمة هناك قدر من الولاء الإقليمى يجعل غالبية سكان مانشستر يشجعون «المان يونايتد» أو مانشستر سيتى، وغالبية سكان مرسيليا يشجعون الفريق الذى يحمل اسم مدينتهم ويرفع رايتها‎.

من هنا عرفت الشناوى وتعلقه بحلمه وحلمى بخلق تنوع إيجابى يصب فى المصلحة العامة، وهو حلم أراه فى الرياضة كما فى السياسة كما فى الفكر والتعايش.

كنت أحضر تدريبات الفريق فى الاستاد، وأشاهد محمود الشناوى وهو يشرح للاعبيه خطة اللعب، ويقول لهم انكمشوا وراقبوا واضغطوا عندما تفقدون الكرة، وعندما تحصلون عليها انتشروا وافتحوا الملعب على الأجناب، كانت خطة بسيطة جداً، ولكنها بالتوازى مع لياقة بدنية عالية ومهارات فردية وبعض الجمل التكتيكية فى الكرات الثابتة كانت تؤتى مفعول السحر، ويظهر الفريق، خاصة على ملعبه بطلاً حقيقياً وصاحب شخصية مبهرة. وبقدر من الوعى بخطط التدريب فى تلك المرحلة، وحالياً أزعم أنه كان متقدما تكتيكياً فى عصره، حيث جرب كل أشكال اللعب بما فيها الطريقة السائدة اليوم برأس حربة وحيد وأسفل منه جناحان وصانع ألعاب، وكان جناحا المحلة وظهيراها الطائران سمة مميزة، وملعب الفريق فى قلب - من كانت قلعة الصناعة - اختبار شديد الصعوبة لأى فريق حتى لو كان الأهلى أو الزمالك.

لكن الشناوى غادر مكانه فى الملعب، ولم تمض بضعة مواسم حتى غادر غزل المحلة الرهيب مسابقة الدورى، وهبط إلى الأسفل مع زيارات لم تعد طويلة للمسابقة الممتازة، وقبل أن يموت الزعيم شاهد دولته تنهار وتتفكك، كما شاهد الشركة العملاقة التى خرج هذا الفريق التاريخى من رحمها تخرج هى الأخرى من أى منافسة محلية أو إقليمية، والمدينة كلها يخنقها الركود.

نضبت قدرة النادى على إنجاب الناشئين، أو قل لم تعد لديه القدرة على الاحتفاظ بخامات صناعته حتى يصيروا منتجاً كاملاً صالحاً للاستهلاك والتألق فى الملاعب، وتوقف النبض فى جسد محمود الشناوى، الذى كان رحيله فرصة ليتذكره البعض ويتذكروا معه جيلاً عاصره لاعباً وأنتجه مدرباً، ونموذجاً لم تصنعه وكالات الدعاية والإعلام، وأحد المتمردين الكبار على النمطية، والمناضلين من أجل التنوع الذى يحتاجه أى وطن حتى فى كرة القدم.‎

[email protected]

------------------------
الخبر : زعيم التمرد الجميل .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق