عاجل

بالإصرار والعمل

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

لم يعد هناك شك الآن أن أحمد خالد توفيق قد تبوأ مكانة الصدارة فى جيله، ولكن السؤال الآن: كيف حاز هذه المكانة؟

■ ■ ■

خالد كان يقول دائما إنه ليس أذكى من غيره، ولكن لديه عناد البغال الذى يدفعه إلى بذل مجهود يفوق غيره.

بالنسبة لموضوع الذكاء فلا شك أنه تواضع من خالد! أما بالنسبة للجهد فهو صحيح تماما. ولعل كثيرين سيندهشون إذا عرفوا إن إصدارات خالد من السلاسل والروايات والمجموعات القصصية والترجمات تصل بمجمل أعماله إلى نحو ٤٦٠ كتابا! فإذا تذكرنا أن أول عدد من سلسلة (ما وراء الطبيعة) قد صدر عام ١٩٩٢، فهذا معناه أنه كان تقريبا يصدر عشرين كتابا سنويا!

■ ■ ■

هل تتخيلون الجهد المبذول وراء هذا؟ كنا- نحن أصدقاءه المقربين- نمازحه دائما أنه (ماكينة كتابة لا تهمد)! وكان يوافق ضاحكا. لكن الأهم أنه حافظ على المحتوى المتميز. وكنت أخبره عندما يتشكك فى مستوى كتاب له، إن له حدا أدنى لا ينزل عنه أبدا، وهو التشويق والصياغة الممتعة.

لاحظ أيضا أنه كان يقرأ أيضا فى شتى فروع المعرفة، مستعينا بمكتبته العملاقة التى ورثها عن والده وبالإنترنت أيضا. وفى الوقت نفسه هناك عمله الجامعي! وهناك لقاؤه بالأصدقاء الذين لم ينقطع عنهم. وهناك الندوات وسفريات لا غنى عنها للقاهرة. لكنه- مع كل هذا الجهد- أستطاع تنظيم وقته ببراعة.

كانت موهبته لا شك فيها. ولكن هب أنها استنام إليها هل كان سيحقق هذا الإنجاز؟

مستحيل طبعا.

■ ■ ■

أضف إلى ذلك ذكاء الاختيار. خالد بدأ بالشعر، ثم اتجه إلى القصة القصيرة متأثرا بمكسيم جورجى وتيار الواقعية الاشتراكية، وكان بارعا فيها. ولكنه سأل نفسه فى لحظة فاصلة: من سيهتم بهذه القصص؟ وأى مستقبل يلوح له سوى فى مصاف الأدباء المغمورين؟

أذكر أننا اشتركنا بمجموعتى قصص فى مسابقة (سعاد الصباح) فى نهاية الثمانينيات، ولم يهتم بنا أحد، ولم يرد علينا أحد.

■ ■ ■

فى هذا الوقت كان أبناء شقيقتيه صبيانا، فعرف منهم الشعبية الهائلة للدكتور نبيل فاروق. أذكر أنه كان يحدثنى كثيرا وقتها عن نجاحه اللافت! وهكذا بدأت الفكرة تختمر فى رأسه، إنها (سلاسل) المؤسسة العربية الحديثة لمؤسسها حمدى مصطفى، بإصداراتها صغيرة الحجم زهيدة الثمن، وتعتمد على التشويق والخيال. أما القراء المستهدفون فهم فئة عمرية من طلاب المدارس، فى تلك السن الرائعة المتحمسة.

وهكذا وجد خالد طريقه. تخصص فى أدب الرعب والخيال العلمى والتشويق. كل ذلك مزجه بأسلوبه الأدبى الرائع. وهكذا ولدت سلسلة (ما وراء الطبيعة) ومن بعدها (سفارى وفنتازيا).

وبدأت كتاباته تنتشر ببطء، تحت السطح، وبدون ضجيج. ودون أن يفطن إليها جيل الكبار ولا النقاد. أصبحت عوالم «ما وراء الطبيعة» بمثابة مجتمع سرى مغلق للمراهقين فقط، أبطالهم هم (رفعت إسماعيل وحبيبته الأسكتلندية ماجى التى لم يتزوجها، وعزت جاره وكاميليا التى أحبته فى صمت ولوسيفر الذى به يسعد ولكلام قلبه يطرب) وغيرها من التعبيرات التى تداولها الشباب بينهم، لا يفهمها أحد سواهم (مثل البذلة الزرقاء التى تجعله فاتنا) و(حتى تحترق النجوم) هذه الجملة التى لا تكتمل أبدا.

■ ■ ■

ومرت الأعوام. المراهقون لم يعودوا مراهقين، وإنما تحولوا إلى شباب وآباء، لكنهم لم ينسوا قط هذه الذكريات الغالية، ذكريات المراهقة وتفتحهم الأول.

لذلك عندما حدثت وفاته المفاجئة فوجئ الجميع بتلك المكانة الهائلة التى لم يتم رصدها كما يجب. لقد تحولوا إلى يتامى يبكون والدهم الروحى، والحقيقة أنهم يودعون بالدموع أغلى ذكرياتهم.


[email protected]

------------------------
الخبر : بالإصرار والعمل .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق