عاجل

لماذا صدق الناس هشام جنينة ولم يصدقوا «لجنة الرئيس»؟

0 تعليق 3 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

لم يبد أن أحدًا ممن قابلتهم أو صادفتهم في الأيام القليلة الماضية يطرح احتمال أن يكون هشام جنينة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات مخطئًا فعلا، وأن تكون «لجنة الرئيس» –على حد ما اصطلح على تسميتها- على حق في المآخذ التي أبدتها على تقرير الرجل.

فبالرغم من المآخذ الفنية التي علقت بها اللجنة على «تقرير جنينة» ومنهجه في تقدير قيمة الفساد واستنباطه أو حتى في فلسفته لتصنيف بعض المعاملات الداخلية في جسم الدولة على أنها فساد، غير أن أحدًا لم يعرها انتباها يذكر.

بدا الجميع في حالة رغبة أكيدة في التصام والتعامي عن تقليب أوجه الخلاف بين جنينة واللجنة المفندة لتقريره، من زواياها الفنية، لصالح اختصار المعركة في بعدها السياسي فحسب، والذي يتم تصويره على أنه خلاف بين جنينة «محارب الفساد» وبين الدولة «صديقة الفساد»!

وقبل أن يتكون لدى أي منا انطباع أكيد أو تتبلور قناعة كاملة بصحة تقدير التقرير، أو بسلامة تفنيدات اللجنة التي فحصته، محتشدة ومسلحة بممثلين لجهات عدة داخل الدولة، فإن نقاطًا ينبغي أن يتم تسجيلها باديء ذي بدء.

أولًا: نحن أمام صراع داخل جسم الدولة نفسه، يمثل طرفيه مسؤولون رسميون، وحين يختلف التقدير بين الفريقين إلى هذا الحد المرعب الذي يتقافز بين مئات المليارات من الجنيهات فإن ثمة شيء ما خاطيء لدرجة تمثل شرخًا حقيقيا في جسم الدولة.

فإذا كان رئيس واحدة من كبرى الهيئات الرقابية مخطئًا هو وفريقه، فكيف يمكن أن نثق فيه أو فيمن بعده في نزاهة ودقة تقارير الجهاز المركزي حول الفساد؟

وإذا كانت «لجنة الرئيس» مخطئة، فكيف يمكن أن نثق في أي لجنة رسمية بعد ذلك؟ وكيف نثق في صورة الدولة أو في طريقة تقدير رئيسها للأمور وطريقة حكمه عليها إذا كانت لجانه من الطراز الذي قد يخطيء في تصنيف الفساد فسادًا أو في تقدير قيمته؟

الحادث الذي نمر به يمثل استئصالًا لبقية ما تبقى من ثقة بين الدولة والمواطنين، أيا كانت النتيجة النهائية التي علقها جنينة إلى ما بعد 25 يناير، حين يرد!

ثانيًا: لماذا لم يتطرق أحد ممن قابلتهم أو صادفت كتابتهم (ذات الانتشار الواسع) على وسائل التواصل الاجتماعي إلى المآخذ الفنية للجنة الرئيس على جنينة، مصممين أن القضية سياسية فحسب، مستبعدين احتمالية أن يكون جنينة (وأنا ممن يفترضون نزاهة يده وحسن نيته) مخطئًا في حساباته. وهو أمر وارد بنسبة 50% بالمناسبة!

لماذا تم تذويب الملاحظات العديدة التي تهدم التقرير في منطقه وتجهز على تفاصيله بلا هوادة، لصالح التعسكر السياسي في أي الفريقين؟

الأمر يعكس برأيي رغبة مسبقة في التحزب بمعزل عن الحق، أو احتمالات دورانه، بين الفريقين المتخاصمين. وهو أشد خطورة على المستقبل المصري بأكمله، بما قد يعتريه من تطورات درامية تعصف بالمنطقة، ربما لن يكون أوفق ما فيها حين تحين ساعة الجد هو التحزب على الرأي السياسي دون التدقيق في الحقائق الموضوعية.

ثالثًا: على الدولة أن تسأل نفسها، لماذا مالت الكفة نحو جنينة، ولماذا امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بتأييده الجارف حتى دون أن يمتلك مناصروه بينة قاطعة على هذا؟

يمكن رد الأمر- برأيي- إلى ميراث عدم الثقة التي كرستها ممارسات النظام الحالي –بقصد ودون قصد، على مستويات عديدة.

فكم من شبهة أثيرت، سياسيا وأمنيًا واقتصاديًا، لم ترد عليها الدولة شرحًا أو نفيًا أو تبريرًا أو تنصلًا أو اعتذارًا؟ كم من مرة غضت الدولة الطرف أو تكبرت على الرد والتوضيح؟

كم من ممارسة أقدم عليها النظام وخلفت في الحلوق مرارةً كان يمكن تجنبها؟ كم من مداواة خاطئة ومتعجرفة وكم من تلصيم جرى لملف الاعتقال والتعذيب وما بقي في حدود هذا الوطن من «حقوق الإنسان» وكرامته؟

إذا ما أحصت الدولة كم مرة التزمت الصمت حين وجب الكلام، وكم مرة تخاذلت عن الفعل حين وجب التصرف، فعليها أن تحصد الآن حصادها المر من تهاوي الثقة فيها، شخوصًا وكيانا.

رابعًا: لقد تم تصوير الأمر ككل على نحو غير دقيق بالمرة. فمن ناحية بدا أن لجنة الرئيس تنفي الفساد بالكلية، وتنكر مليارات جنينة المزعومة أشد الإنكار، رغم أنها سعت لتقويض منطقه وطريقة حسابه فقط، دون أن تتطرق للقيمة السليمة من حسابات الرجل، وبما بدا أن الدولة تنفي وجود الفساد نفسه، لا أنها تختلف حول رقمه وطريقة حسابه!

ثم مضافًا إلى هذا كله بدا أن الدولة تنفي عن نفسها الفساد بنرجسية وتوتر شديدين، كما لو كانت مسؤولة عن الفساد أوله وآخره منذ عهد الرعامسة وحتى اللحظة!

ومرد هذا إلى أنها –الدولة- لم تعلن خطة واضحة ولم تتبن منهجا واضحا في مكافحة الفساد الرابض في أركان كل شيء، في ظاهرة فساد اجتماعي تتواشجه السياسة أحيانًا، بأكثر مما هو العكس!

ومن ثم بدا أنها تدافع عن الفساد السابق، بما يؤسس لفساد جديد.

وكان الأولى أن تحسب هذه اللجنة التي ظهرت خارقة القدرات، لدرجة «فلترة» 600 مليار جنيه في أسبوعين، كان الأولى أن تحسب القيمة الفعلية للفساد وتصارح به شعب، لتعلن القيادة السياسية من بعدها خطة محاربته، وإجراءات إصلاحه.

أخيرًا.. نزاهة جنينة –التي أثق فيها- ليست عاصمًا له من الوقوع في خطأ حسابي بهذه الجسامة. فالشرف والأمانة ليسا بالضرورة متلازمين مع الإجادة والإتقان والحصافة.

وأخيرًا أيضًا، أميل إلى أن «لجنة الرئيس» – والمسمى مستفز- ستجهز على جنينة (المسؤول والسياسي) قبل جنينة (الشخص)، لكن خطأ جنينة –لو ثبت- فإن هذه اللجنة مطالبة بما هو أبعد من مجرد الإدانة السريعة الرشيقة التي دبجتها بكل هذا الدأب!

------------------------
الخبر : لماذا صدق الناس هشام جنينة ولم يصدقوا «لجنة الرئيس»؟ .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق