تخريب العالم

0 تعليق 4 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

لن يمر وقتٌ طويل قبل أن تلمس آثارُ ما يفعله «ترامب» فى كافةَ أرجاء المعمورة. أمريكا كبيرة، ومهمة، ومؤثرة. هى أيضاً قوية وفاعلة وقائدة. فى الاقتصاد، كما فى الحرب والأفكار. العالم، بصورته الحالية، ليس مجرد تطور طبيعى لتفاعلات طبيعية. بل هو- شئنا أم أبينا- عالمٌ صنعته، إلى حد كبير، اختيارات أمريكا وسياساتها. هو أيضاً عالم «تحرسه» -إلى اليوم- القوة الأمريكية العسكرية. عندما تتغير هذه السياسات وتتبدل تلك الخيارات، فإن الكثير من الأشياء حولنا لا تعود مثلما كانت. «ترامب» يُغير العالم. بالأحرى، «ترامب» يُخرِّب العالم.

عالمنا اليوم هو «عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية». نسمع هذه العبارة كثيراً، فما الذى تعنيه بالضبط؟. المعنى أن ثمة قواعد- وهى كلمة تحتاج لأن نضع عشرة خطوط تحتها- وضعها المنتصرون بعد الحرب حتى لا يعود العالم إلى هذا النزاع الذى كاد يُدمر المعمورة بما عليها ومن عليها. القواعد كثيرة ومعقدة: التجارة الحرة، الأمم المتحدة والأمن الجماعى، عدم اللجوء للقوة فى حل النزاعات... إلخ. على أن هذه القواعد كلها تتأسس على فكرة جوهرية واحدة: أن العالم يُمكن أن يكون «صفقة رابحة» للجميع. أن الدول لا تخوض «معركة صفرية»، بمعنى أن ربح أى طرفٍ لا يعنى بالضرورة خسارة الآخرين.

النظام الذى تأسس على قواعد هو نظامٌ قابل للتنبؤ إلى حد بعيد. فيه قيمٌ تحكمه، حتى لو تجاسر البعضُ أحياناً على هذه القيم، أو تحداها، أو حتى انتهكها كلياً. فى النهاية هناك معيارٌ يمكن الارتكان إليه للحُكم على أفعال الدول وتصرفاتها. هو أيضاً نظامٌ مفتوح، ويقبل الأعضاء الجُدد. الدليل هو الصين التى ربما كانت المستفيد الأكبر من هذا النظام الدولى، حيث استطاع مئات الملايين من مواطنيها الخروج من رِبقة الفقر المدقع والعوز، وحيث صارت بكين قوة كبرى. وأخيراً، هو نظامٌ نجح فى تجنب الحروب الكبيرة المدمرة إلى يومنا هذا، وأفرز نمواً اقتصادياً غير مسبوق فى تاريخ البشرية.

اليوم، يُغامر الرئيس الأمريكى بالقضاء على كل هذا. هو يعتبر- بمنطق الصفقة الذى لا يفهم سواه- أن ربح الآخرين هو خسارةٌ خالصة له ولبلاده. شعار «أمريكا أولاً» الذى يتبناه «ترامب» يعنى أن الولايات المتحدة لم تعد ضامنة للنظام الدولى الذى أسهمت فى صنعه وصيانته. لم تعد تعبأ سوى بمصالحها المباشرة. مصالحها الآنية التى يمكن ترجمتها إلى مكاسب اقتصادية فى الأجل القصير، ولا شىء سوى هذا.

فرضُ التعريفات على صادرات الصلب والألومنيوم. الانسحابُ من الاتفاق النووى مع إيران. الحرب التجارية مع الصين. التوافق مع زعيم كوريا الشمالية.. كلها خطواتٌ فى اتجاه «تخريب» النظام العالمى. قد يكون لكل سياسة من هذه، على حدة، ما يبررها. مثلاً: الاتفاق مع إيران كان له منتقدوه الكثر. الحرب التجارية مع الصين تلقى ترحيباً من مجتمع الأعمال فى أمريكا... إلخ. على أن الأثر الإجمالى لهذه السياسات- على المدى البعيد- سيتمثل فى تدمير كل القواعد على أن يتأسس عليها النظام الدولى.

ليس منطقياً أن نُلصق هذه التغييرات والسياسات كلها برجل واحد، مهما بلغت به النرجسية والحماقة والتمحور حول الذات. شىء ما عميق يجرى تحت السطح. ليس فى أمريكا وحدها، ولكن فى العالم. غير أن «ترامب»، بلا شك، يُعبر عن هذه التغييرات العميقة، ويُضاعف من سرعة حدوثها.

------------------------
الخبر : تخريب العالم .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق