أن تموت من أجل قطعة لحم...الخوف من الآخر(1)

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

*الجحيم هو الآخر(سارتر)

منذ عرفت الإنسانية المجتمعات المستقرة، والخوف من الآخر يطاردها، فالآخر كان يأتى ومعه الحرب والدمار والاستعمار والاستغلال والذل والعبودية،المخاوف من الآخر لم تعد كماكانت في مهد البشرية ولكن الخوف مازال قائما في النفس وفى عمق اللاوعى، تماما مثل خوفنا الأزلى من الثعبان .

ورغم ان الخوف المنطقى يكون من الأقلية تجاه الأغلبية ،فأننا نجد خوفا أكبر من الأغلبية تجاه الأقلية، كيف تفسر مخاوف منظمة كو كلوكس كلان الأمريكية من الزنوج وحركة بيجيدا الألمانية من المسلمين والنازى من اليهود ومجموعة«جاوراكشا ساميتي» الهندوسية من أقليات ذات ديانات مختلفة ..وغيرهم

********

*جهاد الحب

غير مسموح بالحب لأصحاب الديانات المختلفة في الشرق، في مصر كما في الهند، الأمر لايختلف كثيرا ،ما يحدث في قرى الصعيد يدورفى قرية ساراو في منطقة أوتار براديش شمال الهند ،حيث ظهرت بذور الشقاق بين الهندوس الأغلبية والمسلمين الأقلية، بعد أن اكتشف الهندوس في القرية حالة لما يسمونه «جهاد الحب»،ويعني ذلك أن رجل مسلم تعمد إغواء هندوسية وإيقاعها في غرامه ثم تزوجها وضغط عليها حتى تعتنق الإسلام،وهو ماقد يؤدي، في تصورهم، إلى تناقص عدد الهندوس فالمسلمين ينجبون كثيرا!!!، على الرغم من أن الهندوس هم الأغلبية والمسلمين لايزيد عددهم في الهند عن 180 مليون نسمة من بين إجمالي 1250 مليون نسمة إلا ان المخاوف قائمة.

الأحزاب الهندية القومية والمنظمات اليمينية تتبنى هذه القضية،ريهانا أديب ناشطة هندية في مجال حقوق المرأة ترى أن ما يعرف بجهاد الحب هو جزء من حملة أكبر وأن اليمينيين في الهند يكافحون ضد الزواج بين أبناء الأديان المختلفة ،إن مجموعات من أمثال مجموعة «جار فابسي» التي تعني «العودة» تحاول إعادة الهنود الذين يعتنقون دينا مثل المسيحية أو الإسلام للهندوسية.

************

*لا يوجد في الهند سياسي شجاع بما فيه الكفاية لأن يحاول شرح أن الأبقار يمكن أكلها(انديرا غاندي)

هل يمكن لهندوسى يعيش في لندن أو نيويورك أو أي مكان آخر في العالم غير الهند أن يتجرأ ويطلب من جاره إلا يأكل شريحة لحم بقرى ؟، بالطبع لا، لكنه يفعلها في الهند وحدها، الهندوس الأغلبية هناك تعدادهم يصل إلى مايقرب من 80%، محيط من الهندوس به بعض الجزر الصغيرة من المسلمين والمسيحين والسيخ والبوذين،المسلمون هم أكبر الأقليات يصل تعدادهم إلى 14% تقريبا من عدد السكان.

عدد كبير من الولايات الهندية تحظرذبح البقر وبيع لحمه وأكله، يتعرض من يخرق الحظر للسجن والغرامة ...واحيانا يقتل قبل عرضه على المحكمة كما حدث في سبتمبر من العام الماضى، في قرية بيسارا التابعة لولاية أوتار براديش ،القرية تقع على مسافة 50 كيلومترا من العاصمة نيودلهى.

في صباح يوم عادى قرر كاهن هندوسى أن يكون يد الرب التي تبطش وعينه التي تراقب، واعلن عبر مكبرات الصوت المثبتة فوق معبده أن «أخلاق» ذبح بقرة، وأن زوجته تطهو لحمها على العشاء وبهذا وضع نهاية لعرف التسامح الذي ساد القرية لعقود طويلة.

خلال دقائق تجمع مجموعة من أهل القرية من الهندوس أمام بيت «أخلاق»، يعمل حدادا وعمره 56 عاما،واقتحموه وخربوا المطبخ بحثا عن اللحم في ثلاجته، وجدوا لحما ولم يصدقوا الرجل حين أقسم أنه لحم ماعز وليس بقر ،ضربوا الرجل بالطوب والحجارة حتى لفظ أنفاسه الأخيرة أمام ابنه وزوجته، الأبن نقل إلى المستشفى على أثر أصابته بجروح شديدة في الرأس والأرملة كانت تنتحب وهى عاجزة عن تصديق مايحدث: «حتى الآن لا أستطيع أن أصدق أن جيرانى الهندوس قتلوا زوجى، جيرانى كانوا مثل عائلتى الكبيرة».

تخيل ان تكون محاصر من مئات الثائرين عليك، الذين جاءوا ليفتشوا بيتك ومطبخك وثلاجتك، لو ثبتت التهمة سيكون عقابك فورى دون محكمة أوقاضى، الجموع الغاضبة هي القاضى والتعصب هو الحاكم بأمره، لن ينقذك جيرانك الذين تربى اولادك معهم ،والذين حضروا زفاف ابنك ودفن حماتك ...سيتركوك غارق في دمك، وأكثرهم سماحة لن يشارك في قتلك لكن سيكون شاهد على موتك. يقول مسلمون في القرية، إن قتل «أخلاق» كان اعتداء مدبر يستهدف تقسيم أهل القرية دبرته جماعات هندوسية متشددة موالية لحزب بهاراتيا جاناتا الذي ينتمى إليه رئيس الوزراء مودى والذى فاز في الانتخابات العامة في مايو 2014.

الهندوس لايؤرقهم ان يتعاطى جارهم الحشيش أو الكوكايين أو يكون مدمن كحول أو لص، المهم الايأكل لحم بقرى، لايتم تفتيش الساكنين وفقط لكن الأمر يتعدى ذلك حتى راكبى القطارات وسيارات الأجرة المشتبه فيهم يتم تفتيشهم، منذ عدة أيام ألقت الشرطة في ولاية ماديا براديش الهندية القبض على عدد من اعضاء جماعة هندوسية متشددة بتهمة الاعتداء على زوجين مسلمين ظنوا انهما يحملان في حقائبهما لحم البقر.

الزوجان «محمد حسين» و«نسيمة بانو» كانا يستقلان القطار عندما هاجمهم اعضاء في جماعة (جاوراكشا ساميتي) الهندوسية وفتشواحقيبة سفرهما.لكنهما لم يكونا يحملان أي كيس فيه لحم البقر،وقال حسين، «صعد حوالي 10 أو 15 شخصا من هذه الجماعة إلى القطار لدى توقفه في المحطة وبدأوا بتفتيش حقائب المسافرين، وهاجموا بعض الركاب كما فتشوا حقائبنا واعتدوا على زوجتي، اضطرحسين إلى طلب المساعدة من اقاربه المقيمين في مدينة هاردا،اما المسافرون الآخرون فقد التزموا الصمت وواصلوا رحلاتهم حتى لايصيبهم أذى.

***********

*دائما ما يكون وراء الغضب حجة، لكنها نادراً ما تكون سليمة

إن النصر الناتج عن العنف مساو للهزيمة، إذ انه سريع الانقضاء

(غاندى)

الهند بلد كبير متعدد القوميات، مؤسسوا الهند بعد الاستقلال وضعوا نصب أعينهم أن تكون دولة علمانية، جواهر لآل نهرو، أول رئيس وزراء للهند المستقلة، وضح ذلك: «العلمانية تعني حرية الحركة الإيجابية للأديان، شريطة ألا يتدخل أبناء ديانة ما بأمور ديانة أخرى، وألا تهدد هذه الحرية مفهوم الدولة». وشرح الدكتور بي آر آمبيدكار «أبوالدستور الهندي»: أي أنه ليس من صلاحيات البرلمان فرض معتقد ديني بعينه على المواطنين الآخرين من أتباع ديانة أخرى.

مع الزمن ينسى الأبناء حكمة الآباء، فلم يعد القوميين الهنود يتذكرون كلمات أبوالهند المهاتما غاندى :إن اللاعنف هو أعظم قوة متوفرة للبشرية..إنها اقوى من اقوى سلاح دمار صنعته براعة الإنسان....تغتر الأغلبية بقوتها، وكلما ازادادت قوة وغطرسة وغرورازاد خوفها من الأقليات ،أنه الخوف الأبدى من الآخر الذي لانعرفه ....

الدول التي تستحق ان يطلق عليها قوى عظمى ليس هي الدول الأكثر ثراءا أو تعداد سكان ولكنها الدول التي تتمسك بالقيم الإنسانية الأساسية وتتطبقها على مواطنيها وتصدرها للعالم ...أنها مثل الفرق بين هوليوود وبوليود...

وللحديث بقية ....

ektebly@hotmail.com

------------------------
الخبر : أن تموت من أجل قطعة لحم...الخوف من الآخر(1) .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق