السخرية الساقطة

0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

كان للنكتة والقفشة والقافية فترات ازدهار شاع فيها هذا الفن من فنون التراكيب والحبكات اللفظية، وكان لكل منها أى للنكتة.. وللقفشة.. وللقافية نجوم برعوا فى كل فرع، إذا جازت التسمية أو فيها كلها مجتمعة.. وكان معها فن آخر هو «الفشر» أى المبالغة الفجة فى الكذب والتعامل مع الخيال باعتباره واقعًا.. وكان الفنان محمد أحمد المصرى الشهير بـ«أبو لمعة» أحد أبرز نجوم الفشر، وكان المفشور عليه على الجانب الآخر هو الخواجة بيجو.. وكم استمعنا إلى حلقات برنامج «ساعة لقلبك»، وفيها كان أبو لمعة يفتك ببيجو حتى يصيح الأخير «يا خرابى.. يا دخوتى.. أى دهوتى»!

وكان العديد من الفنانين بارزين فى فن إلقاء النكتة وحرفنة حبك القفشة.

وطول النفس فى القافية، التى هى ديالوج بين طرفين، يبدأ أولهما بتركيب جملة قصيرة تكون بدايتها تساؤلا تقريريا، فيرد الثانى بكلمة «إشمعنى!» ويأتيه الجواب متضمنا المعنى الساخر الذى أراد الأول توصيله إليه!

وعلى طول الفترات الزاهية لتلك الألوان من فن التراشق اللفظى، كان نادرًا ما تنحدر الصياغات باتجاه الرموز الوطنية والمثل والقيم العليا، وكان الانحدار فى فترات الانحطاط الثقافى ليتجه إلى الإسفاف بالجنس والشذوذ مع استخدام ألفاظ معلوم أن الأذن العادية تعف عن سماعها، وكان يحدث أحيانًا أن يتم الاختراق الخارجى للوجدان الوطنى عبر النكتة أو القفشة، وعرفنا حالات أو عشناها وربما رددنا مع المرددين نكتًا سوداء تصم الشخصية المصرية بسلبيات بشعة كالغباء وانعدام البديهة والدونية وغيرهما، وكان من أبرز الأمثلة على ذلك النكتة السوداء التى تم تداولها بعد هزيمة 1967 وفيها حوار بين حسنين على الضفة الغربية لمجرى القناة وبين كوهين على الضفة الشرقية المحتلة.. ووصل الأمر إلى أن يناشد الرئيس عبدالناصر الشعب التخفيف من النكات والقفشات التى تمس الكرامة الوطنية وتؤذى مشاعر رجال القوات المسلحة!

كانت للنكت فى عصورها الزاهية مصادر بعينها، معظمها غير مرصود، إلا أن مصدرًا وحيدًا استقر فى ذهن الناس أنه هو المعمل الأصلى للنكتة، وهو جلسات التحشيش أى تدخين الحشيش.. وهناك أكداس من النكت تبدأ بعبارة: «واحد محشش كان...»!، وإذا عدنا للأبعاد العلمية للظاهرة فسنعرف أن مادة القنب الهندى، أى الحشيش، تستثير مراكز بعينها فى القشرة الخارجية للمخ، ومنها مراكز الكلام والاستماع.. وهو ما عرفته من صديقى الراحل الدكتور حميد الخفيف، أستاذ الطب الشرعى، الذى كانت دراسته للدكتوراه حول تأثير الحشيش.

والآن اضمحل ذلك الفن.. وغابت المواهب التى كانت تثريه وتنشره، وما يتناثر بين الحين والآخر من تراكيب لغوية، توصف بأنها نكتة، يغلب عليه الغلظة والاصطناع وثقل الظل.. بل يغلب عليه أيضا الإسفاف، الذى لا يتورع عن اقتحام قدس أقداس الرموز الوطنية، وهو العلم والنشيد الوطنيين! وكان ما انتشر من تنكيت وقفش حول قرار وزيرة الصحة بإذاعة النشيد الوطنى وقسم الأطباء فى المستشفيات نموذجًا فجًا على ما أذهب إليه!

ولا أريد أن أحكى تفاصيل مناقشة حادة مع بعض من تداولوا العبارات التى يفترض أنها للضحك والترفيه والسخرية، من تلك المسؤولة التنفيذية، وكنت ممتعضًا من إقحام علم مصر بألوانه فى هذا الديالوج، ولكن دلالة هذا الإقحام المتردى تكمن فى أن من تداولوه هم من نخبة النخبة المتعلمة والمثقفة، وفيهم من تبوأ مناصب سياسية تنفيذية رفيعة الشأن!

ولم يفطن أحد إلى أنه لا يجوز- بحال من الأحوال- إهدار القيم العليا، التى يمثلها العلم المصرى بألوانه.

نعم للسخرية من تصرفات وقرارات بعض المسؤولين، ونعم للتركيبات اللفظية الحادة الجريئة ذات الدلالة، بديلًا عن العنف والتحريض عليه.. ولا.. مليون لا، للمساس بعلم بلادنا ونشيده الوطنى.

a_algammal@yahoo.co.uk

------------------------
الخبر : السخرية الساقطة .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق