بليغ حمدي.. المُبتلى بالمزيكا والأصدقاء!

0 تعليق 16 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

لاقتراحات اماكن الخروج

ألحانه متفردة وشخصيته كانت كذلك، الذين عرفوه عن قرب يجمعون على أنه كان (مدهشا) كنغماته، وأنه جاء إلى الدنيا فى مهمة واحدة محددة لم ينشغل بغيرها وظل مخلصا لها: المزيكا، عاش من أجلها ولم يعرف فى حياته متعة غيرها، وهى وحدها القادرة على أن تحدد مزاجه وخريطة يومه.. ومصيره!.

كان مشغولا بها حتى فى منامه، يأتيه الخاطر الموسيقى فيسير وراءه مسحورا ليصل إلى نبعه، وفى رحلة الوصول هو مستعد لأن ينسى نفسه: أكله وشربه ونومه.. وحتى مواعيده!.

اتصل مرة بصديقه المخرج جميل المغازى صباحا طالبا منه أن يمر عليه بعد ساعة ليذهبا معا لزيارة صديقهما المريض بهجت قمر، تناولا الغداء ودخل بليغ ليرتدى ملابسه ويتجهز للخروج ولكنه لم يخرج من غرفته، ولما خرج بعد ساعتين لم يكن جاهزا للخروج من البيت، ذهنه مشغول وشارد ولم يتذكر حتى صديقه الذى ينتظره فى الصالون، حاول المغازى أن يعيده إلى الدنيا ونبهه بموعدهما مع بهجت قمر، اعتذر بليغ عن التأخير ودخل إلى حجرته ولم يخرج إلا بعد ساعتين أخريين، كان المغازى يسمع فيهما نغمات عود بليغ فأدرك أن صاحبه فى ولادة قيصرية للحن جديد، ولما كانت الساعة جاوزت التاسعة مساء خرج بليغ جاهزا ونزل مع المغازى الذى فوجئ أن بليغ يسير فى طريق لا يؤدى أبدا لبيت صديقهما المريض فنبهه، لكن بليغ استمر فى طريقه حتى وصلا إلى قهوة التجارة فى شارع محمد على، نزل بليغ واتجه إلى رجل عجوز رث الهيئة يجلس فى المقهى وطلب منه إحضار عوده، وراح بليغ يهمس له ويدندن فى أذنه بنغمة ودار بينهما حوار خاص لم يسمعه أحد إلا العود العتيق، ولما عاد بليغ إلى سيارته كان وجهه متهللا بفرحة طفولية غامرة، فمنذ يومين وهو يبحث عن (نقلة) صعبة من مقام لمقام فى لحنه الجديد، ووجد الحل أخيرا عن صديقه (عم إبراهيم) العوّاد العجوز.. وعاد إلى بيته ليستكمل اللحن ونسى بهجت قمر أعز أصدقائه!.

هى المزيكا حاضرة دوما، (مولاتى) كما كان يسميها، صاحبة الأمر والنهى التى يطلب رضاها حتى تمنحه كنوزها، وكانت دعوته المخلصة: ربنا يجعلنا من عبيدها!.

أخلص بليغ لمولاته، ومن أجلها حرم نفسه من متع الدنيا، لم يعرف قيمة الفلوس ولم يستمتع بها رغم أنه كسب الكثير، لم يشغله أن يكون صاحب ثروة وكان يستطيع، وحتى الشقق الثلاث التى عاش فيها (سفنكس) و(الزمالك) و(الإسكندرية) كانت إيجارا وعادت إلى ملاكها بعد وفاته.. ولا تملك سوى أن تبتسم من قلبك عندما يحكى لك صديقه الإذاعى المرموق كامل البيطار عن علاقة بليغ بالأكل، فقد كان لديه أشطر طباخة (صباح) وكانت أطباقها تدير الرؤوس والأفواه، هو وحده – بليغ- الذى لم يستمتع بأكل صباح، وبعد لقمتين بالعدد يقفز من كرسيه على السفرة وهو يمسك بطنه: يا خبر..معدتى ح تنفجر من كتر الأكل!.

حرمته مولاته من مُتع الدنيا، كانت أسعد لحظاته عندما ينتهى من لحن حلو، وفى أوقات رضا مولاته عليه كان يستطيع أن يلحن أربع أغنيات جديدة فى وقت واحد، ويمكنه أن يظل مستيقظا وفى كامل حيويته لأيام متصلة بلا غفوة واحدة، فقط يكون بجانبه كوبا من الشاى وطبق رز بلبن!.

ومن أجل مولاته ضحى بحياته الزوجية وبحب عمره، كانت (وردة) تقول عنه دائما إنه أعظم ملحن وأفّشل زوج، كان فى (أبوظبى) عندما أصرت وردة وألحت على الطلاق منه، فاتصل بمحاميه محمود لطفى يوكله فى تطليق وردة، ثم أخذ عوده وجلس مستندا على حائط الشاليه الذى يقيم فيه والمطل على الخليج العربى، راح يضرب على العود وراحت دموعه تهطل.. ومن بين الدموع خرجت أغنيته (أنا الحب اللى كان)!.

بمقاييس الأرقام كان بليغ هو الأعلى إنتاجا (ترك نحو 3 آلاف لحن) وهو الأعلى أجرا وصاحب الألحان الأكثر توزيعا ورقم واحد فى جمعية المؤلفين والملحنين.. لكنه الوحيد أيضا الذى لم يهنأ بكل هذا النجاح، كان الأهم عنده أن يبحث عن نغمة حلوة جديدة، عن لحن يُغنيه البسطاء، وحتى عندما سافر إلى باريس فى رحلة مرضه الأخيرة كانت المزيكا هى التى تشغله وليس (الوحش) الذى نشب مخالبه فى كبده، فراح يبحث فى مكتبات باريس عن مؤلفات تخص فرعون مصر العظيم (إخناتون) ليحوله إلى عمل موسيقى عالمى!.

أعطته المزيكا من نعيمها.. ومن عذابها أيضا، فكان هناك من استكثر عليه هذا العذاب وقتلته الغيرة من تألقه فسعى لأن يطفئ بريقه ويكسر عوده ويُسلمه إلى منفى.. كان هو الجحيم!.

فى قضيته الشهيرة، جرى حفظها فى البداية إذ لم تجد فيها النيابة ما يدين بليغ، وحقا لم تكن له علاقة بالمنتحرة ولا يعرفها.. وفجأة جرى فتح القضية وإشعال النار فيها والحكم على بليغ بالسجن.. والمنفى.. فهل يجىء اليوم الذى نكشف فيه بصراحة عن الذين (اغتالوا) بليغ.. الُمبتلى بالمزيكا والأصدقاء؟!.

------------------------
الخبر : بليغ حمدي.. المُبتلى بالمزيكا والأصدقاء! .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق