فيرونيا!

0 تعليق 8 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

■ ليس بإمكان الناقد الأديب الكبير د. صلاح فضل أن يطالع كل الكتب التى تظهر ولا فى قدرته أن يحضر حفلات توقيعها فى الفنادق، ويكفى حضور صلاح فضل فى حياتنا الثقافية المعاصرة، فصلاح فضل هو الأفضل موضوعياً وهو القادر على إظهار جماليات العمل الفنى.

■ وبإمكانى أيضاً أن أستأذن ناقدنا الكبير فى أن أقف قليلاً عند خصائص كاتبة شابة وموقعها من الإعراب، أنها ابنتى واسمها حنان، وفى جيلى ذقت طعم التقدير من غير فيس بوك، تمتعت بكلمات صادقة على سن أقلام كبيرة ما كنت أحلم أن تعيرنى التفاتاً مثل هيكل ومصطفى أمين وموسى صبرى وأحمد رجب وعلاء الديب وأحمد بهاء الدين وسناء البيسى، لكن هذا الزمان رغم تعدد وسائل النشر والإذاعة يعانى من جوع حقيقى فى التقدير، فقلما ينبرى كاتب أو ناقد ليقف متذوقاً سطور كتاب، هل لأن الكتاب فى محنة والقراءة انحسرت؟ ربما، ولكن الثابت أن من يتحمسون لفلان أو علان هم من شلة واحدة يساندون بعضهم وربما حجم الموهبة ضئيل. من هنا قررت أن أعيد قراءة كتاب حنان مفيد فوزى بعين ناقد وقلب محب، الكتاب يحمل «فيرونيا» ويضم مسيرة قلم لعدة سنوات فى «المصرى اليوم» والقيمة الكبيرة التى أعتز بها أنها خرجت تماماً من عباءتى.

■ هذه الكاتبة هى خليط من السخرية والجدية، وأفهم أنها معادلة صعبة لكنها ساخرة بحدية وحادة بسخرية، وأنا لست ساخراً ولا حاولت أن أكون. هى التى تقدم نفسها: «لست بحاجة إلى تقديم أوراق اعتمادى ككاتبة لها أحقية التعبير عما تراه مقلصا للمعدة ومعصبا للقولون، لكن علشان يتعملك حساب فى البلد اللى عسلها أسود لازم تتعلم قرص النحل»!!. وترسم الكاتبة صورة كاريكاتورية لـ«ابن حلال مصدى» وتقول إنه «صاحب أشهر بيجامة فى العصر الحديث يرتديها وقت ما يحب ويختفى من الصورة عمداً ويخلعها وقت ما يقب فى الميدان بطلاً يبدو للعيان معارضا لكنه «مايع أجندة»!. تقول بوعى مصرية: «الأهم من القضاء على القمامة هو إزاحة أتربة الفتنة المتراكمة فوق الرؤوس، والأبقى من حل مشكلة المرور هو تأمين الحدود والمعابر، وم الآخر كده اللى تحتاجه مصر يحرم على عزة»!.

■ الكلمات طيعة فى قلم حنان ولا يستعصى عليها معنى، وتملك الحق فى تفكيك كلمة أو عبارة وإعادة بنائها من جديد. تكتب تحت عنوان «أيام العمر معضوضة»، نصيحة: «يا سيدى لو مفيش نهضة، انهض انت، ما تخليش السنين تعلم عليك لتعيش مائة عام من الحيوية، وبالمناسبة الحيوية دى أخت النهضة البكرية بس من أب وأم تانيين». أو لا تنسى حنان الرؤى المختلفة، وهنا تتساءل بجدية وتتخلى عن السخرية: «يرانا التقدمون المتطورون مجرد عرائس كرتونية متحركة رضعت من ثدى الجاهلية وشبت على ثقافة الخرافة وامتهنت تجارة الوهم، هل من خبير أفروآسيوى يطلعنا على مواقعنا على خرائط أرض الواقع؟!». لقد قررت حنان منذ اللحظة الأولى أن تكتب كل أسبوعين حتى لا تجد نفسها أسيرة ملء مساحة فى صحيفة!.

■ قرأت حنان من مكتبتى ومكتبة آمال العمدة السمعية وكونت أسلوباً ساخراً خاصاً بها، لم تقلد والدها ولا قلدت أمها فى حواراتها الذهنية المهنية، لست أدرى كيف تسللت السخرية إلى محبرة قلمها الذى تغمسه فيها فيخرج الأسلوب مكحلاً بالسخرية، ومن هنا جاء «اختلافها»، صحيح أنها تتلمذت على يد مهندسة الكلمة سناء البيسى وصحيح أنها أحبت عطاء كلمات فاطمة ناعوت ولكنها صنعت عالماً خاصاً بها، حتى عندما اشتغلت فى قناة Ten، كانت ترتجل ما تقول وقلما اهتمت بورقة إعداد، ولم تكن مذيعة «إيربيس» مثل معظم المذيعات وأعرفهن بالاسم، لماذا؟ لأن حنان لديها مخزون، قرأت ولا تزال تنهل من الرؤى المكتوبة.

■ الساخرة تقول: «البلاد المظلمة نورت بعقول أبنائها المتميزين والبلاد المشمسة أظلمت بأفخاخ أبنائها المنقادين. ينصح بجناريتور صينى أو روسى للحد من العتمة»!.

الساخرة تحلل: «فى أعقاب الانتفاضات البشرية تنمو الأعشاب الطفيلية وتتسلق على حساب النبت السليم وهذه الآفات تأكل على كل الموائد وما ينفعش معاها غير شركات الرش ويراعى تجديد الإبادة تلقائياً لمنع انتشار العدوى»!.

الساخرة تقول: «لا تعطنى بطة وتخلع ولكن علمنى كيف أزغطها»!.

الساخرة تقول: «مصر ثلاثة أحرف ساكنة تحل كل هذا الضجيج من صبر وضجر وسخرية وشجن وحذر وجرأة وطيبة ولؤم، لأنها أم الدنيا»!.

■ أفكار حنان الساخرة حين تلجأ لشارع الجدية، يغلب عليها انحيازها للمرأة فتقول «الرجل الحق فى نظر كل امرأة هو الذى يكون ناصحاً لها وليس معاقباً، واثقا بها وليس مراقباً، رجلاً لها وليس عليها»، تقول عن مصر: «لا يصح أن نغفل نية الأعادى لإفشال كل الجهود الموجهة لصالح قيام الدولة المصرية وإنما الصحيح أننا نتحمل بعضنا ونساند بعضنا البعض علشان المر فيه اللى أمر منه بكثير». تكتب ساخرة: «فى داخل كل منا داعشى مشمشى صغنون لا يرى بالعين المجردة ولكنه مختبئ بين الضلوع، يا ابن آدم لا تتداعش معهم ولا تجعلهم يتداعشون عليك، فكم من داعش تدعشش تدعششنا إلى أن أصبح متداعشاً على المعاش بلا شفقة ولا نفقة».

■ هناك فى كتابات حنان، جانب لا يخفى على القارئ الحصيف المتابع وهو جانب روحى، تحاول بقلمها أن تنهل من نبع الإيمان، تكتب فى مقال بعنوان «أرنى مجدك هنا والآن»، تقول: «ربى إنى أخشاك حباً.. فارفعنى فوق برق فى سماك أو فدعنى محض عوز فى حماك، يا إلهى خذ فؤادى فوق سحب من ضياك».

وتكتب عنوان مقال وهى تطوعه لقلمها: «يا رب يسرنا لليسرى وجنبنا العسرى»!.

وفى بعض الأحيان تصرخ بصدق له رائحة: «مصر لو نعرف قيمتها مش هنركب موج ضعيف، إنتوليه ناسيين بلدكم زى مانسيتوا السكات، إنتوليه بايعين دماغكم اللى قلبه اتباع ومات، عرفوا العالم إنكوا أصحاب أهرامات، إنكوا ورثة حضارة، فوقوا قبل الليل ما يسرق منكم وجه النهار، انتوا أصحاب السيادة وأنتم أصحاب القرار، ليه بتسقيكم حلاوة وانتوا تسقوها المرار»!.

■ فى قمة سخريتها تكتب «أنا هعمل مبسوطة تحب أعملك معايا، تيجى نروح ما نجيش، نلحق آخر حتة فى روحنا عايزة تعيش، تيجى ننسى كنا إيه، واتولدنا إزاى وليه»؟.

إنها قصيدة بالعامية وهذا مجال جديد دخلته حنان، وعندما قرأ الشاعر جمال بخيت إنتاجها قال لها «موهوبة ولا تتوقفى».

■ بعض النفوس تفرح لأنى- فى زماننا - جسدت معنى الأبوة بصفاء، وبعض النفوس المريضة تأخذ موقفاً معادياً من مقالى، ومنذ متى نفرح للناجحين الموهوبين وفى مصر «حزب أعداء النجاح» يكبر؟!.

------------------------
الخبر : فيرونيا! .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

0 تعليق