ميتة تشبهنى

0 تعليق 8 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

كنت أتمنى على الله أن أموت وأنا نائم. آوى إلى فراشى، فأتلو الشهادتين كالمعتاد، ثم أضجع على جنبى فأفكر فى أشياء تافهة قبل أن يسلمنى النعاس إلى الكرى، ومنه إلى الأبدية دون أن أشعر.

يا لها من نهاية مريحة. لا أحتمل فكرة انتظار الموت وأنا أعلم أنه آت، والأسوأ أن يحيطنى الناس فى وقت أكون فيه أحوج إلى الخصوصية.

■ ■ ■

فى هذا المساء ذهبت لإجراء طبى آمن نوعا. لم أكن أفكر أننى عرضة لأى خطر. وبالفعل غادرت المستشفى. وفجأة شعرت ببرودة شديدة فى أقدامى ويدى. بعدها سرت البرودة إلى كل جسدى. أدركت على الفور أن الدورة الدموية ضعيفة. وتحسست النبض فوجدته سريعا وغير منتظم. أدركت أننى تعرضت لتفاعلات دوائية جانبية، وأننى أنحدر فى هاوية سحيقة.

■ ■ ■

كان الموت أمامى احتمالا راجحا. ولم أكن أدرى ماذا سيحدث لى فى الدقيقة التالية. فى طريق عودتى للمستشفى، بعد أن طلب منى الطبيب المعالج أن أعود، شعرت باقتراب الموت أكثر من أى وقت آخر. لن أستطيع أن أصف لكم مقدار الرهبة التى شعرت بها فى هذه اللحظة.

الموت بالنسبة لى مرعب مهما حاول الناس إقناعى بعكس ذلك. تكفى رهبة الانتقال من حالة الأحياء إلى حالة الجماد. عندما أصير باردا برودة الغرفة. ناهيك عن الغيب المرهوب وهول الحساب والمصير المجهول الذى لا تعرف أبدا وأنت على قيد الحياة: «هل سيغفر لك الله أم لا؟».

انتابنى ذعر مميت من فكرة المثول أمام خالقى. وها أنا ذا فى تلك اللحظة، ذليلا بلا كبرياء، خائفا مرتعدا، يقضى خالقى فى مصيرى كما يشاء بلا استئناف. وهانت فى عينى لحظتها كل شهوات الدنيا. وتمنيت وقتها لو لم أعص الله قط. ووعدته- عالما أننى لن أفى بوعدى- أننى لو نجوت هذه المرة فلن أعصيه بعدها أبدا.

■ ■ ■

كانت دقائق قليلة لكنها أطول من حياتى كلها. رعبى من لقاء الله جعلنى أتذكر ميتة عمر بن الخطاب. كان بالمعنى الحرفى يموت من الرعب. ويصيح: «ويل عمر وويل أمه لو لم يغفر الله لى». ويصر أن يضع خده على التراب- وهو يموت- عسى أن ينظر الله إلى ذله فيرحمه.

هذه ميتة تشبهنى. لا أستطيع أن أموت فى هدوء أو ثبات أو عدم اكتراث. ما أسخف الأفلام السينمائية التى تصور محتضرا يهتم بذكر مكان كنز أو يغازل حبيبته أو يكترث بمصير أطفاله. ما له وهذه الأمور فى هذه اللحظة المفصلية الأخطر فى وجوده كله؟!.

■ ■ ■

بعد قليل زال الخطر من تلقاء نفسه واستعاد جسدى توازنه دون أى عقار. نجوت هذه المرة بحمد الله. سأحاول أن أتذكر ذلى ورعبى من لقاء خالقى.

أرجو أن أتذكر...

------------------------
الخبر : ميتة تشبهنى .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق