الشارع والشرعية

0 تعليق 8 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

إن الشارع هو اللقاء المباشر غير الرسمى بين المواطن والدولة، وبالتالى هو الانطباع الأوّلىّ، وفى أحيانٍ يكون الوحيد أو الغالب لدى المواطن عن حال الدولة وإمكاناتها من جهة، وقدرتها على إملاء إرادتها وتفعيل سلطتها من جهة أخرى.

لا يخفى على أحد منا الحالة التى وصل إليها الشارع فى مصر، بداية من البنايات غير الشرعية، إلى انتهاك قوانين المرور عمداً وجهراً من خلال جميع أنواع السائقين، سواء سائقى النقل الجماعى أو أطفال التكاتك، مرورا بسائقى النقل بأنواعه، وصولا إلى سائقى السيارات الخاصة، كلٌّ حسب حاجته لاختراق القانون، وقدرته وجماعته على الدفاع عن نفسه، سواء ضد المواطنين الآخرين أو ضد ممثلى الحكومة الذين يحاولون تنفيذ القانون على استحياء بين الحين والآخر، أما استغلال الشارع فيما لم يصمم من أجله، كالمواقف والورش والمقاهى، وجعله مرتعا للباعة الجائلين وتشوين مواد البناء، وتحويله لمعارض سيارات أو ملابس، فذلك نوع آخر من الخروقات، بالإضافة إلى تحويل أجزاء من الشوارع إلى مقالب قمامة متفق عليها ضمنا بين المواطنين والمتعهدين وممثلى الأحياء.

إن الانتهاكات التى ذكرتها على سبيل المثال تتم كلها علنا، وبالقدر الذى يهمنا التأثير المباشر لهذه الانتهاكات علينا الاهتمام بالتأثير غير المباشر لها، والذى نجده فى أحيان كثيرة أشد خطراً وأعظم تأثيراً، لأن المسألة تتعلق حتما بهيبة الدولة، أى قدرتها على فرض احترام مؤسساتها وقوانينها، وأهمية ذلك أن تواجد أغلب المواطنين فى الشارع يعتبر حالة عابرة، ليمروا حيث يمارسون حياتهم وأعمالهم، فإذا كان انطباعهم أنه لا خوف من انتهاك النظام، وأن خرق القانون لا عقاب له، فماذا ننتظر من هذا المواطن فى مجال حياته أو نظام عمله؟!.

إن القوانين يجب أن تكون قابلة للتنفيذ وليست أداة للتهديد، لأن عدم تنفيذ القوانين القائمة أسوأ بكثير من عدم تشريعها، لأن المواطن يساوره القلق عندما يشعر أن هناك من يخترق القانون دون حساب، ولو كان هو نفسه، حيث المفترض أن تتجلى هيبة الدولة فى حُسن تطبيق القانون وخدمة المواطنين عبر توفير الأمن والنظام، على أن يتمتع جميع الأفراد بنفس المركز القانونى، بمعنى عدم استثناء الأغنياء أو ذوى السلطان بما يتمتعون به من قدرة على تعطيل القانون، والمهم أيضا عدم استثناء الأقل حظا وذوى الأعمال الدنيا بدعوى التأثير السلبى لتنفيذ القانون عليهم، لأن هيبة الدولة تتولد من العدل الذى يؤدى إلى ألا يطمع القوى ولا ييأس الضعيف.

إن النغمة الساذجة التى تدعى أن الدول المتقدمة أصبحت كذلك لأن مواطنيها لديهم ثقافة النظام والنظافة واتباع قواعد المرور، بينما الواقع غير ذلك لأن الدولة فى هذه البلاد كانت حريصة على أن تُفعّل قوانينها على الجميع دونما كلل أو استثناء، حتى رضخ الجميع للأمر الواقع وأصبحت النتيجة على ما نراه اليوم، وأصبح اتباع القواعد والنظام عادة يمارسها الأغلبية بأريحية، ليس فقط بحكم الاعتياد، ولكن بحكم أن الخروج عن النظام ليس من ضمن الاختيارات المتاحة، بسبب القوانين الرادعة وسرعة تنفيذها.

إن تطبيق القوانين وتنفيذها أهم كثيرا من الارتكان لوهم الثقافة، لأن القانون مُلزِم، بينما الثقافة اختيار يختلف من شخص لآخر، بينما هناك نوع يجد نفسه متحققا فى انتهاك القانون جهرا، ويغذى لديه شعورا بالانتصار على الدولة، خاصة فى حالة غياب العدالة، وهنا تأتى أهمية القانون الذى يساوى بين الجميع، بحيث يكون لكل فرد نفس القيمة المعنوية كالآخرين، والأهم ألا يكون للعوامل غير القانونية أى صلة بالعملية القانونية وتفعيلها.

إن مطالبتى بالبدء بتنظيم الشارع ليس معناها أنه المرفق الوحيد الذى يحتاج للتنظيم، ولكنه المجال الذى يتفاعل فيه الجميع، المواطنون مع المواطنين من ناحية، والمواطنون مع الحكومة من ناحية أخرى، لأن الشارع تمثيل مصغر للدولة يمثل إقليما وحكومة ومواطنين يمارسون الفوضى كما يمارسون النظام، ويتبعون القانون ويخترقه آخرون، ولذلك فالشارع هو الانعكاس المبدئى لكل أنواع تفشى الفساد، كما أنه الانعكاس المبدئى لنجاح محاولات القضاء عليه وفرض النظام.

إن البدء فى تنظيم الشارع وإنفاذ القانون فيه لم يعد اختيارا، كما أن بسط سلطة الدولة على مرأى من الجميع لم يعد هدفا إعلاميا ولا تلميعا سياسيا، بل أصبح أولوية مؤكدة، ليشعر الجميع بما يلزمهم به القانون وقدرة الدولة على تطبيقه، باعتباره الضمانة الرئيسية لحرية جميع المواطنين، والإحساس بأنه بدون الحماية القانونية سيكون كل فرد مهدداً باستمرار من كل عضو آخر فى المجتمع، بالإضافة إلى حقيقة مهمة تبدو غائبة عن السلطة التنفيذية، وهى أن شرعية الحكومة لا تخولها صناديق الاقتراع وحدها، لا تتأتى فقط عندما تتحول القوة إلى سلطة شرعية، بل إنها تمنح إصدار الأوامر والقيادة طابعا رسميا ملزما، بما يضمن أن الطاعة تقوم على الواجب الاجتماعى وليس على الخوف من العقاب، لأنه فى غياب الشرعية لا يستطيع الحكم أن يستمر إلا اعتمادا على الإكراه والتهديد بالعنف، وهو أسلوب لا يضمن استقرارا ولا يحمى نظاما، ولذلك يعد تنظيم الشارع والعاصمة -القاهرة بالأخص- تحديا سياسيا وقانونيا وإداريا أكبر من موضوع المرور والإشغالات والنظافة، وهو من أصعب التحديات لدى الحكومة، ولكنه بالتأكيد ليس مستحيلا.

------------------------
الخبر : الشارع والشرعية .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

0 تعليق