كوفى عنان وأحلام الوحدة وكوابيس التجزئة

0 تعليق 12 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

رحل عن عالمنا يوم 18 أغسطس، أحد أعظم أبناء القارة الأفريقية، كوفى عنان، الأمين العام السابق لمنظمة الأمم المتحدة، عن عُمر يُناهز الثمانين عاماً.

وسيذكره العالم كأحد أكفأ مَنْ تولوا ذلك المنصب الدولى الرفيع – مثله فى ذلك مثل السويدى داج همرشولد، والمصرى بُطرس بُطرس غالى.

وقد جمعتنى بكوفى عنان أربع مناسبات، أولاها فى منتصف تسعينيات القرن الماضى، حينما دعانى ضمن حوالى مائة من رجال ونساء الفكر والسياسة، من كل أرجاء العالم، لوضع أجندة للألفية الثالثة، التى كنا نقترب منها. والتى يمكن أن تُجمع عليها معظم، إن لم يكن كل دول العالم، وهى الوثيقة التى تم إنجازها بالفعل، ولو أن تطبيقها، مثله مثل كل الوثائق المثالية، لم يتم مثلما حَلم الرجل، وكُنا معه، لأنانية الكبار والأغنياء فى العالم. أما المناسبة الثانية، فكانت فى أوائل عام 2003 فى نيويورك، لشُكره على موقفه النبيل، لدعمى معنوياً وسياسياً، خلال المحنة التى مرت بى وبزُملائى فى مركز ابن خلدون، على يد الرئيس المصرى الأسبق محمد حسنى مبارك، والتى قضينا فيها ثلاث سنوات، من الاعتقال والسجون (2000-2003)، إلى أن برّأت ساحتنا محكمة النقض، أعلى محاكم الديار المصرية. وقال لى وقتها، إنه فخور بوجود مثل تِلك المحكمة فى أحد بُلدان القارة الأفريقية.

وكانت المناسبة الثالثة، فى إحدى زياراتى لمدينة جنيف بسويسرا، لحضور الاجتماع الدولى للمنظمات الأهلية لحقوق الإنسان، والتى كان لكوفى عنان، دور فى إنشاء أمانتها، لتكون مِنبراً أكثر حرية، مثلها مثل منظمة العفو الدولية، فى رعاية والدفاع عن حقوق الإنسان.

وكانت المرة الرابعة والأخيرة منذ ثلاث سنوات، أو أكثر قليلاً، فى جنيف، حيث دار حديث طريف، ولكنه بالغ التعبير عن حالة عالمنا الثالث، وفى قلبه قارتنا الأفريقية. ولماذا اختار جنيف، مقراً لتقاعده، وليس وطنه غانا، أو أحد البُلدان الأفريقية الأخرى!؟ فقال لى: هنا فى سويسرا، يسود حُكم القانون على الجميع، لا فرق بين سويسرى من أهل البلاد، أو أجنبى وافد، سواء كان مُقيماً إقامة دائمة، أو زائراً لعدة أيام، أو حتى لعدة ساعات. وأخيراً، سهولة المعاملات المصرفية، سواء من حيث الكفاءة، أو من حيث الأمانة والحفاظ على السرّية.

وسألنى كوفى عنان: هل جرّبت خرق قواعد المرور، أو إشارات السير فى الشوارع؟ ولما أجبت بأننى لم أفعل ذلك بعد! فقال: بما أنك عالم اجتماع، فلماذا لا تُجرب ذلك، ولو مرة واحدة؟ وفعلاً، حيث أستيقظ عادة مُبكراً فى الصباح، فإننى فى أحد أيام إقامتى فى مدينة سويسرية أخرى، هى زيورخ، خرجت للتريض جرياً فى السادسة صباحاً، وفى أحد تقاطعات شارعين، لم أتوقف عن الجرى، وكان ثمة إشارة مرور حمراء. ولم تمر دقيقة، إلا وقد وجدت سيارتى شُرطة من اتجاهين متقابلين تطبقا عليّ، وكان لابُد أن أدفع غرامة، خمسين فرنكاً سويسرياً، أو الحبس 48 ساعة. ولا يُجدِ تضرعى بأننى غريب من بلد آخر، ولا أعرف قواعد السير، خاصة فى مثل تِلك الساعة المُبكرة! وكان الرد المُهذب: لولا أن هناك مَن يقودون سياراتهم فى ذلك الوقت المُبكر، فى تِلك المنطقة، لما وضعت سُلطات البلدية فى المدينة إشارات مرور ضوئية!

نظر إليّ الرجل نظرة حانية، وسألنى هل تعرف اسم الرئيس السويسرى؟ وأسقط فى يدى وبدى الإحمرار على وجهى، فبادرنى بعبارة، لا تقلق.. فأنا أيضاً، رغم إقامتى فى سويسرا، لا أعرف اسمه! ثم أشار كوفى عنان بيده إلى أحد جرسونات المقهى الذى التقينا فيه، وسأله نفس السؤال، مَنْ هو رئيسكم فى سويسرا؟ فهز الجرسون كتفيه، وقال: لا أعرف.. ولكنى أسأل لكم حالاً. وفعلاً فى غضون دقائق أتى إلينا باسم، يبدو أنه من أصول إيطالية!

وشكره كوفى عنان، ثم قال لى، هل يكفيك ذلك كإجابة عن سؤالك لماذا اخترت سويسرا عموماً، وجنيف خصوصاً كمحل مختار لإقامتى أنا وزوجتى.. فهى من أكثر بُلدان العالم نظاماً واستقراراً، ومثلها مثل الساعة التى برع السويسريون فى صناعتها وإتقانها. ثم إنها فى موقع جغرافى وسيط أوروبياً، ويسهل منه الحركة والانتقال إلى أى مكان فى العالم، حيث إننى بعد تقاعدى رسمياً، مازلت أخدم تطوعاً فى عدد من المنظمات غير الحكومية، بما فى ذلك مجلس حُكماء أفريقيا، الذى بادر بفكرته المناضل الراحل، نيلسون مانديلا.

ثم بابتسامة أعرض، وأخيراً وأنت سيد العارفين. كانت الكلمة الأخيرة فى هذا الشأن، لزوجتى، ذات الأصول الأوروبية، والتى تغرّبت معى للسنوات الطويلة، التى قضيتها فى نيويورك.. فأرادت أن تكون على مقربة من أسرتها فى السويد، على بُعد ساعة ونصف من جنيف!

رحم الله كوفى عنان، رحمة واسعة، جزاء ما أداه لقارته الأفريقية وللعالم، وللإنسانية جمعاء. والله على ما أقول شهيد.

وعلى الله قصد السبيل

------------------------
الخبر : كوفى عنان وأحلام الوحدة وكوابيس التجزئة .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق