مناظر العزلة فى سان ميشيل

0 تعليق 11 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

قضيت ليلة العيد فى سان ميشيل وسان جيرمان بباريس. بعد منتصف الليل معظم المطاعم والمقاهى أغلقت أبوابها، ما عدا التى تم حجزها، رسميا أو فعليا، من أعداد هائلة من السياح العرب، بالذات الخليجيون، حيث لم تجد إلا قلة قليلة من الجنسيات الأخرى وقد أجبروا على الجلوس فى مقاعد جانبية «مزنوقة». ومن بين هذه كانت أماكن معروفة سابقا كمنتدى لأعظم المثقفين مثل الـ«دو ماجو».

السياحة قد تكون فرصة للتواصل بين الشعوب، لكنها ليست دائما كذلك. هناك أمثلة كثيرة، كالتجمعات السياحية البريطانية فى إسبانيا، حيث تجد البريطانيين مجتمعين فى محال تحضر أكلهم المفضل «فيش أند شيبس» مثلا، وحيث البيرة التى تنصب بغزارة من البراميل.. والسياحة الألمانية سيطرت على بعض الشواطئ اليونانية، وكذلك نعرف فى مصر ظواهر «احتلال» جنسيات معينة لبعض أماكننا السياحية.

تأتى هذه السياحة العربية فى نفس الإطار، لكنها تختلف فى الإنفاق الزائد الملحوظ، السيارات الفارهة، ذات الزجاج المدخن وأحيانا مصفحة، والـ«بوديجاردات» المصطفون أمام المحال المحجوزة...، الذى يؤدى لرد فعل عكسى، خاصة أن معاملة العاملين فى المحال لمن ليس لديه نفس القدرة على الإنفاق، بمن فى ذلك أهل البلد، تكون فى أحيان كثيرة سيئة جداً، فالنقود تتحدث كما يقول الأمريكان، ولغتها قد تكون عنيفة فعلا فى مثل هذه الظروف.

لم تؤدِ السياحة الألمانية المكثفة لليونان إلى تحسن فى التفاهم بين الشعبين، بدليل الآراء السلبية التى تعكسها استطلاعات الرأى فى ألمانيا عن اليونانيين (وتجرى فى إطار أزمة اليونان الاقتصادية) والتى تأتى على نقيض النظرة المنبهرة التى تبنتها تاريخيا النخبة الألمانية لليونان. وكذلك بالنسبة لآراء اليونانيين عن الألمان. والسياحة البريطانية لأوروبا لم تساعد كثيرا فى فك عزلتها.. وربما السبب أن التجمعات الهائلة من الزوار ظلت منعزلة وغريبة بنمط حياتها الدخيل، فبدلا من التلاحم البناء، أدت أحيانا لاحتكاكات سلبية.

كذلك بالنسبة للسياحة العربية فى باريس. فلا تجدها عادة فى النهار، إلا فى بؤر معينة مثل شارع الـ«شانزيليزيه»، وحتى هناك فى أماكن محددة يرتادها العرب دون غيرهم تقريبا. لن يؤدى هذا النمط إلى أى نوع من التفاهم الحضارى، كما لم تؤدِ السياحة العربية الأكثر كثافة إلى لندن لتحسن يذكر على مدى نصف قرن.

هذا شىء مؤسف، بالذات لأننا أكثر حاجة فى العالم العربى للتواصل مع الخارج عن الألمان أو الإنجليز مثلا.. والأكل والشرب والإنفاق والسلوك المتصنع فى ظل شذوذ وكآبة العزلة، المستفزة والمبتعدة بالكامل فى نمطها عن سياق ومناخ المكان، لا ينفع كثيرا.. خاصه إذا قارناه بما يمكن أن يعود على عالمنا من التواصل البناء مع كم الثقافة والعلم المتاح فى مدينة مثل باريس، والذى استفادت منه أجيال من المثقفين العرب، من أول الطهطاوى وحتى طه حسين وتوفيق الحكيم والكثير من المثقفين المؤثرين فى الشام والمغرب العربى.. وذلك فى زمن كان العقل العربى أكثر انفتاحا واستيعابا للحضارة المعاصرة وأسس الفكر فيها.

------------------------
الخبر : مناظر العزلة فى سان ميشيل .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

0 تعليق