عاجل

الرشادة السياسية

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

«كل حكايات الأسر السعيدة متشابهة، أما الأسر غير السعيدة فكلٌ منها تعيسة على طريقتها الخاصة». قيل إن هذا المفتتح الذى بدأ به تولستوى رائعته «آنا كارنينا» هو أفضل مدخل على الإطلاق افتتح به كاتب رواية. العبارة الآسرة تصلح كقاعدة عامة. يُمكن مثلاً أن نقول إن كل الديمقراطيات تتشابه، إلا أن كل نظام غير ديمقراطى يُمارس السلطة على طريقته الخاصة.

القاعدة صحيحةٌ تماماً. النظم الديمقراطية تعمل وفق قواعد وقوانين. بالإمكان تقييم عملها بسهولة وفقاً لمسطرة معروفة. فى المقابل، النظم غير الديمقراطية لا قاعدة لها. كلٌ منها تعمل بطريقتها الخاصة. هناك قواسم مشتركة بينها بالطبع. على أن الاختلافات التى تميز كلاً منها تحول دون وضعها جميعاً فى سلة واحدة. بل إنه من الخطأ الشديد وضعها جميعاً فى سلة واحدة باعتبار أن المشترك بينها هو ابتعادها عن الديمقراطية.

والحال أن الديمقراطية اختراعٌ معاصر. يُمكن القول إنه ظهر فى الخمس دقائق الأخيرة من مسيرة التاريخ الإنسانى الطويلة. هل يعنى هذا أن الأمم عاشت فى «جاهلية سياسية» قبل الديمقراطية؟ بالتأكيد لا. كان هناك حكامٌ عادلون وآخرون سفاحون. عرف التاريخ حكاماً غيروا العالم للأفضل بإرادتهم الخيرة وقيادتهم الحكيمة، وآخرون لم يخلفوا وراءهم سوى الأحزان والمآسى ولعنات الناس. عرف العالم حكاماً تزينوا بالأخلاق، وآخرين انغمسوا فى المفاسد.

ليس كل هؤلاء سواء لمجرد أنهم لم يكونوا «ديمقراطيين». كيف يُمكن أن نضع إمبراطوراً منضبط النفس، متجملاً بالأخلاق مثل «ماركوس أوريليوس» على قدم المساواة مع سفاح أهوج مثل كاليجولا أو نيرون وجميعهم كانوا أباطرة روماناً؟ كيف نساوى بين عمر بن الخطاب وأبوالعباس السفاح؟ (وكلاهما كان خليفة غير منتخب!) كيف نضع «أشوكا» العظيم، الذى استلهم البوذية كفلسفة للحكم، فى نفس المستوى مع جنكيز خان؟

لو أننا قبلنا بصحة هذا الاستخلاص البديهى المستمد من الخبرة التاريخية البشرية، فإن السؤال الذى يتبادر إلى الذهن هو التالى: ما المعيار؟ ما معيار المقارنة بين الحكام؟ كيف نحكم على سيرة الحكام والملوك والقادة؟ قد يقول قائل إن المعيار هو العدل. الحاكم الجيد هو الحاكم العادل. على أن العدل قيمة نسبية. وما هو عدلٌ من وجهة نظرنا، قد لا يكون عدلاً من وجهة نظر الآخرين. بل إن العدالة بمفهومنا اليوم قد تختلف عن منظور السابقين. والعدالة كما يعرفها مجتمعٌ معين، قد لا تتفق مع مفهوم مجتمع آخر.

إنها مسألة معقدة شغلت المفكرين عبر الزمان. هى تدخل فى باب الفلسفة السياسية. أدعو القارئ للتفكير فيها وإطالة النظر والتأمل بشأنها، فهى ليست بالبساطة التى تبدو عليها. لا أبخل برؤيتى، وهى بسيطة وأبعد ما تكون عن التفلسف: الحاكم الجيد هو الحاكم الرشيد. الرشادة هى أصل الحكم الجيد.. فى كل زمان وكل مكان، وإلى يوم يُبعثون!

ما الرشادة؟ بكلمة واحدة: هى العقلانية. هى القدرة على وزن الأمور كلها بميزان العقل وحده. القدرة على كبح جماح الهوى، هوى النفس وهوى العقل، ووضع الأمور فى نصابها. الحاكم الرشيد هو ذاك القادر على تحكيم العقل والبديهة والحس الإنسانى بما هو خير وحق ونافع للناس، فى كافة ما يصدر عنه من أفعال وأقوال وقرارات.

ولأن البشر جميعاً لديهم القدرة على استخدام العقل فى التمييز بين الخير والشر، فهم قادرون- بل وبسهولة- على التمييز بين الحاكم الرشيد والحاكم غير الرشيد. هذا ما يُفسر المكانة التى حازها الحكامُ الجيدون عبر التاريخ. البشر، مهما شطّ بهم الهوى أو أساءوا الحكم لبعض الوقت، قادرون فى النهاية على تمييز الحاكم الجيد، ومنحه المكانة التى يستحقها فى التاريخ. ولو أنك فتشت عن الفضيلة التى تجمع كافة الحكام الجيدين، ستجد أنها تحكيم العقل.. أى الرشادة.

غياب الرشادة لدى البشر نقيصة. غياب الرشادة لدى القادة قد يُورد بلادهم موارد التهلكة.

[email protected]

------------------------
الخبر : الرشادة السياسية .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق