الحادث المؤلم.. وخيار المحاسبة

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

فى حياة الدول، كما فى حياة الأفراد، أيام تحمل أخباراً صعبة أو مؤلمة. وتفيد التجارب بأن أفضل السبل للتعامل مع هذا النوع من الأيام هو مواجهتها على قاعدة الشجاعة والمسؤولية والشفافية. الخيار الوحيد حيال الأخبار المؤلمة هو التعامل معها بمنتهى الجدية. معرفة ملابساتها والأسباب التى قادت إليها وتحديد الأسباب والمسؤوليات ومحاسبة المتورطين والمقصرين. وفى موازاة ذلك استخلاص العبر مما حدث لضمان عدم تكراره.

وأى قارئ لتجارب الأفراد والدول يدرك أن الأخطاء قد تقع، ويمكن أن تتسم بخطورة استثنائية أيضاً. الأفراد يخطئون بسبب سوء التقدير والمبالغة وتجاوز الصلاحيات وتوهم القدرة على الإفلات من المحاسبة. وأفراد الأجهزة يرتكبون أحياناً ما يرتكبه أى فرد من سوء تصرف أو سوء تقدير، متناسين حدود الصلاحيات، ومتجاهلين الضوابط التى يفترض أن تحكم سلوك المنضوين تحت جهاز أو مجموعة. الحديث عن الأخطاء التى تحصل لا يعنى أبداً تبريرها، بل على العكس هو تشديد على وجوب توفير آليات تحول دون حدوثها، وتقلص إلى أدنى حد إمكانية أن تحمل الأيام أخباراً صعبة أو مؤلمة بسبب تجاوزات لحدود القوانين والأعراف والصلاحيات.

من يعرف السعودية يعرف أن خبر اختفاء الزميل جمال خاشقجى، رحمه الله، كان من قماشة الأخبار المؤلمة لعائلته وأصدقائه ولبلاده. فجمال قبل أن يكون صحفياً وصاحب موقف نقدى أو اعتراضى هو مواطن سعودى. وليس من عادة السعودية أن تغسل يديها من مصير أى من مواطنيها، بغض النظر عن موقفه من هذه المسألة أو تلك. ثم إن الرحابة جزء من أسلوب السعودية فى التعامل مع الداخل والخارج معاً. ومن تابع أخبار السعودية فى العقدين الماضيين يذكر بالتأكيد أن معارضين عادوا من الخارج واستأنفوا حياتهم الطبيعية فى بلادهم، وأن بعض من مارسوا العنف المفرط فى الداخل اندمجوا مجدداً فى مجتمعهم بعد عملية إعادة تأهيل. وواضح أن السياسة السعودية فى الداخل كما فى الخارج، ترتكز على مبادئ الحوار وتضييق شقة الخلاف وتكرار البحث عن المشتركات.

بعد الحادثة المؤلمة فى قنصليتها فى اسطنبول، اتخذت السعودية سلسلة من الخطوات لجلاء مصير الزميل خاشقجى وتبيان ما حدث. أوفدت فريقاً أمنياً للتعاون مع الجانب التركى فى تحقيقاته، وفتحت أمام المحققين الأتراك أبواب القنصلية ومنزل القنصل. وفى موازاة ذلك فتحت تحقيقاً داخلياً، مؤكدة أنه ليس لديها ما تخفيه، وأنها ستتصرف فى ضوء الحقائق والمعلومات. واستناداً إلى ما أظهرته الخطوات هذه، أعلنت الرياض وفاة خاشقجى وإعفاء مسؤولين بارزين من مهامهم وتوقيف 18 شخصاً على ذمة التحقيق. وكان بين من أُعفوا ضباط كبار فى جهاز الاستخبارات. وأشار بيان رسمى سعودى إلى أن مشاركين فى الحادث «حاولوا التكتم والتغطية على ما حدث». وترافق ذلك مع الإعلان عن أن خادم الحرمين الشريفين وجه بتشكيل لجنة وزارية برئاسة ولى العهد الأمير محمد بن سلمان لإعادة هيكلة رئاسة الاستخبارات العامة فى المملكة.

وهذا يعنى التعامل مع الحادث المؤلم على قاعدة إحقاق العدالة، ومحاسبة المتورطين والمقصرين، واعتماد الشفافية فى إطلاع الرأى العام على ما تتوصل إليه التحقيقات. وفى موازاة ذلك إعادة هيكلة رئاسة الجهاز، بحيث تتوافر ضوابط صارمة تحول دون تكرار الحادث المؤلم مستقبلاً.

فى الفترة الفاصلة بين وقوع الحادث وصدور البيان السعودى، ازدحمت الشاشات والمواقع والصحف بالأخبار والشائعات والسيناريوهات. كان الاهتمام بالحادث طبيعياً بسبب الشخص المعنى به، والمكان الذى حصل فيه. وكان من السهل التمييز بين فريقين: الأول مهتم فعلاً بجمال خاشقجى ومصيره، والثانى اعتبر الحادث المؤلم فرصة ذهبية لاستهداف السعودية، وانطلاقاً من حسابات لا علاقة لها من قريب أو بعيد بما حصل فى القنصلية السعودية فى اسطنبول. ومع الإجراءات التى أعلنتها الرياض، يفترض أن يكون الفريق الأول قد حصل على ما يتطلع إليه، أى التعامل بشفافية مع الحادث المؤلم، والسير حتى النهاية فى كشف الملابسات والحقائق، وإطلاع الرأى العام عليها. أما الفريق الذى انطلق منذ البداية آملاً فى إضعاف السعودية واستهداف دورها، فإن نهج المحاسبة يزعجه، لأنه كان يتطلع إلى أزمة عميقة فى علاقات السعودية الدولية. مشكلة الفريق الثانى أنه يتعمد الخلط بين ملفين. يريد وبأى ثمن أن يسهم اختفاء خاشقجى فى صدام بين السعودية ودول كبرى تربطها بها علاقات تحالف أو تعاون، تتضمن أيضاً شبكة واسعة من المصالح. ينسى هذا الفريق أن السعودية اجتازت من قبل امتحانات صعبة فى علاقاتها الدولية، بينها على سبيل المثال محاولات استغلال هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 للنيل منها. يتناسى هؤلاء فى الوقت نفسه أن جمال خاشقجى نفسه ما كان ليقبل أن يستغل اسمه أو ما تعرض له للنيل من بلاده.

باعتمادها خيار العدالة والمحاسبة، أعادت الرياض ملف الحادث المؤلم إلى سياقه القانونى والقضائى. إنه منطق الدولة والمسؤولية والمؤسسات واستخلاص الدروس وإعادة هيكلة المؤسسات تحت مظلة القانون.

نقلاً عن صحيفة «الشرق الأوسط»

------------------------
الخبر : الحادث المؤلم.. وخيار المحاسبة .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق