نادية مصطفى.. الرقمُ الصعب

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

نادية مصطفى، الحنجرةُ «المثقفة»، و«الرقمُ الصعب» في حقل الغناء. ولماذا أراها رقمًا صعبًا؟ لأن حنجرتَها تجمعُ بين ما قلّ أن يجتمع في حنجرة طربية. الثوريةُ والدفءُ. الصدحُ والهمس. القوةُ والنعومة. جواباتٌ جهريةٌ عاليةٌ وحادّة، وقراراتٌ خافتةٌ حنونٌ وهادئة. لا تجتمعُ تلك التبايناتُ الصوتية إلا في الخامات النادرة من الحناجر البشرية الواسعة ذات الطبقات والثراء.

ولماذا أُسمّيها «حنجرةً مثقفة»؟ وهل هناك حناجرُ مثقفةٌ؟ بالتأكيد هناك حناجرُ مثقفةٌ، مثلما هناك حناجرُ مسطّحةٌ ضحلة. ليس كلُّ صوت جميل مثقفًا. ثقافةُ الحنجرة سِمةٌ عفويةٌ ربّانية، وكذلك هي سِمةٌ اكتسابيةٌ تراكمية.

الصوتُ المثقفُ يعرفُ بدايةً أسرارَ اللغة ومكامنَ قوة اللفظ وطاقةَ الكلمات؛ فللكلمات طاقةٌ يعرف الصوتُ الواعى كيفَ يضُخُّها بين تضاعيف الحروف، فتخرج الكلمةُ مشبّعةً بالمعانى والدلالات.

والصوتُ المثقفُ يعرف كيف يختار الأغنيات التي يشدو بها، فتكون أقوى من رصاصة تضربُ العقل بالفكرة، وأرهفَ من ورقة شجر تمسُّ القلوبَ مسًّا رهيفًا. في الثلاثية الشهيرة التي شدت بها نادية مصطفى في ثمانينيات القرن الماضى: (مسافات، سلامات، جاى في إيه وسافرت في إيه)، رصدت الفنانةُ المثقفة ظاهرةً مجتمعيةً انتعشت في تلك الفترة- ظاهرة هجرة العقول والعمالة المصرية إلى دول الخليج؛ ما تسبّب في مشاكل مجتمعية وفكرية وثقافية وتفككات أسرية وغياب هُوية واندثار تراث، نعيش تبعاتِها في مصر حتى اليوم، مثلما تسبّبت في انتعاش تلك المجتمعات الشقيقة الوليدة، التي ساهمت مصرُ في بنائها وتشييد وتمدين حاضرتها الصحراوية.

هنا يتأكد لنا أن «الفنان» حين يكون مثقفًا وواعيًا، يكون مدركًا مشاكلَ وطنه الراهنة، كما يكون بوسعه أن يستشرف الأزمات المستقبلية التي ستضرب المجتمعَ غدًا، فيُسرّب في فنّه- سواء كان أغنيةً، أو قصيدة، أو لوحة تشكيلية- خيطًا من النقد المجتمعى، وجرسَ إنذار؛ لو انتبه له صُنّاعُ القرار في المجتمعات، لجنّبوا الأوطانَ ويلاتٍ وخِيمةً محتملة.

في مسرح الجمهوريةُ العريق، يوم الاثنين الماضى، كان لقاؤنا بتلك الجميلة المثقفة (نادية مصطفى) في أحد حفلات مهرجان الموسيقى العربية. بمصاحبة المايسترو (علاء عبدالسلام)، وفرقته الموسيقية. ظهرت نادية مصطفى في غاية الألق والحضور والحُسن والأناقة. كانت مثل فراشة تُحلّقُ بين الزهور وتنثرُ الشَّذى الغِرِّيدَ على الحضور الحاشد، الذي كان في غاية التجاوب معها في الأغانى الوطنية، مثلما في الأغانى العاطفية، مثلما في ثلاثية الهجرة الشهيرة.

لم أكتفِ بالطيران مع حال النوستالجيا العذبة التي تذهب بنا مع أغنياتها إلى فضاء الزمن الجميل، قبل غياب أناقة مصر، بل رحتُ أتأملُ كيف لصوت كهذا أن يجعلنا نتأملُ ونفكّر في شريط تحولات مصرَ منذ ميلاد تلك الأغنيات، وحتى اللحظة الراهنة.

لكن المدهش أننا أنصتنا في شغف إلى أغنية قديمة لها، لم أسمعها من قبل! أغنية: «حُلم»، من كلمات صلاح فايز، وموسيقى كمال الطويل. الأغنية ترصدُ حُلمًا يسكن أعماقنا جميعًا حول عالَم جميل طيب مسالم، ليست تسكنه البغضاءُ ولا الطائفيةُ ولا الحروبُ ولا إهانة الإنسانية. أغنية تناسب لحظتنا الراهنة وكأنها كُتبت اليوم.

تقول كلمات الأغنية البديعة: «فى ليل مطلعش القمر/ وتعبت من طول السهر/ دخلت أنام/ وفى المنام لقيت بشر/ غير البشر/ والدنيا نور وزهور وطير/ صحيت أقول يا رب خير/ إلهى يبقى الحلم علم/ ولا يبقى جوع ودموع وظلم/ ويهلّ من تانى القمر/ وشفت أطفال بيض وسُمر/ ماسكين عرايس مش بنادق/ ساكنين مداين مش خنادق/ وبياكلوا عيش ولبن وتمر/ وشفت ناس متجمعين/ من كل لون من كل دين/ جايين يغنوا ويرقصوا/ في مهرجان حب وحنين/ ويلوّحوا بغصن الزيتون/ والفرحة سارحة في العيون...».

ذاك هو الحلم الذي ينسج خيوطَه كلُّ مثقف شريف وكلُّ فنان مثقف في هذا الوطن الطيب.

تحيةَ احترام وحبّ لجميلة الطرب (نادية مصطفى)، ولزوجها الفنان السورىّ الجميل (أركان فؤاد) الذي أدهشتنا خِفّة ظلّه في مسرحية «كارمن» من إخراج مايسترو المسرح محمد صبحى، إذ عرف كيف يوظّفُ صوتَ «أركان» الجبلى المدهش في كوميديا مسرحية راقية وفاتنة.

------------------------
الخبر : نادية مصطفى.. الرقمُ الصعب .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق