عاجل

أندرو رونسلى يكتب: نقلاً عن صحيفة «ذا جارديان» البريطانية

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

بريكست» سيكون أسوأ بكثير لبريطانيا من أزمة قناة السويس

فى البيان الذى رافق استقالته كوزير للنقل فى بريطانيا، اتهم جو جونسون حكومته بأنها «فشلت فى الحكم بشكل غير مسبوق منذ أزمة قناة السويس عام 1956»، ولكننى أرى أنه مخطئ فى هذا الاعتقاد، وذلك لأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى «بريكست» أخطر بكثير من كارثة السويس فى عام 1956، وستظل عواقب خروجها بشكل سيئ موجودة لفترة أطول بكثير من عواقب حظ السير أنتونى إيدن السيئ فى الشرق الأوسط، فصحيح أن هذا الحظ قد كلفه منصبه كرئيس للوزراء، لكنه علّم بلاده وخلفاءه فى رئاسة الوزراء درسًا قيمًا وقاسيًا حول حدود سلطة بريطانيا فى مرحلة ما بعد الإمبريالية، فلم تلحق السويس أى ضرر دائم ببريطانيا، ويمكن القول إن هذا الإخفاق كان لصالح هذا البلد، وذلك من خلال تبديد الأوهام حول مكانتها فى العالم، كما لم يكن هناك ضرر دائم بالنسبة لحزب المحافظين، فسرعان ما تخلوا عن إيدن، وواصلوا تحت قيادة هارولد ماكميلان لتحقيق فوز ساحق فى الانتخابات بعد أقل من 3 سنوات.

وسرعان ما تلاشت أزمة السويس من الساحة وانزلقت فى كتب التاريخ، ولكن ستعيش بريطانيا وحزب المحافظين مع عواقب خروج البلاد من الاتحاد الأوروبى على مدى سنوات، وربما عقود آتية، ففى حال حدثت نكسة اقتصادية سيئة، فلن يتمكن المحافظون من تكرار حيلهم فى مرحلة ما بعد أزمة السويس مرة أخرى، ولن يستطيعوا إثارة تعاطف البريطانيين ببساطة من خلال جلب وجه جديد فى رئاسة الوزراء.

ولا تتعلق لعبة السياسة، فى الغالب، بكيفية لعب اللعبة، ولكن بكيفية إلقاء اللوم على الآخرين، ولا أحد يفعل ذلك بدأب أكثر من مؤيدى بريكست، وقد باتت لعبتهم تقترب من ذروتها، ونستطيع أن نشم خوفهم من أن ينتهى الأمر بشكل سيئ، وهذا هو السبب فى توجيه طاقاتهم الآن لتحويل الذنب إلى أى أحد غيرهم.

والشخص الذى اختاروه ليكون كبش الفداء الرئيسى هو رئيسة الوزراء تيريزا ماى، ولن تكون وحدها على قائمة المتهمين المزيفة، بل إنهم سيوجهون أصابع الاتهام نحو الآخرين الذين سيقولون إنهم خربوا الفكرة الجميلة، وسيكون بين هؤلاء موظفو الخدمة المدنية، ووزارة الخزانة، وقضاة، وبعض المسؤولين فى بروكسل، وسيكون لدى هؤلاء جميعًا أدوار فى لعبة إلقاء اللوم التى سيلعبها مؤيدو بريكست، لكن رئيسة الوزراء هى مَن ستحصل على دور الشرير الرئيسى، فحينما كانت تتبع نهجهم بحماقة كانوا يعشقونها، ولكن الآن ستكون تيريزا هى الخائنة.

ويجب أن تكون تيريزا كذلك وإلا فإن خائنى بريطانيا سيكونون هم مؤيدى بريكست أنفسهم، فالبشر يرفضون إلى حد كبير الاعتراف بالخطأ، كما يصارع السياسيون فى رفض الأمر أكثر من معظمنا، ويكون الاعتراف بالخطأ على مضض أكثر عندما يكون الخطأ كبيرًا، مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، ففى حال كنت أسست وجهة نظر عالمية مبنية على شىء أحمق، وفى حال كنت قد راهنت بمهنتك على فكرة أن مغادرة الاتحاد الأوروبى ستكون فكرة رائعة.. فعندئذ سيكون عليك أن تكون صريحًا بشكل استثنائى مع نفسك للاعتراف بأنه كان خطأً كارثياً، ولكن لا يستطيع مؤيدو بريكست أن يكونوا صادقين مع أنفسهم أو أى شخص آخر، وبما أن حبهم لذاتهم لن يسمح لهم بالاعتراف بأن الخطأ يكمن فى فكرة المغادرة والأشخاص الذين يروجون لها، فإنه يجب إذاً إلقاء اللوم على شخص آخر، فسيقولون إنه كان لديهم حلم الخروج من بريطانيا لو لم يتم القضاء عليه فى غرف بروكسل، ولو أن «ماى» كانت مفاوضًا أكثر ذكاءً وأشد صرامةً، فإن بريطانيا كانت لتنظر الآن إلى مستقبل مشرق، بدلاً من أن يُطلب منها قبول صفقة مؤسفة لا يشعر أحد بالرضا حيالها.

وبذلك، يذكرنا مؤيدو بريكست بالماركسيين خلال أيام الاتحاد السوفيتى، والأعذار التى كانوا يقولونها لتبرير عدم ظهور اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية باعتباره جنة العمال التى وعدت بها نظريات كارل القديمة، وعندما رأوا أن جميع الأنظمة التى حكمت باسم الماركسية كانت كارثة فإنهم باتوا يصرون على أن هذا لا يثبت أن الشيوعية فكرة خاطئة، بل إن ذلك حدث لأنها لم تُعطِ أبدًا محاولة سليمة، وهذا هو ما سيحدث مع مؤيدى بريكست، حيث سيحتجون حتى النهاية، وسيظلون مؤمنين بأن فكرتهم لم يكن فيها أى خطأ، ولكن اللوم يقع على كيفية التنفيذ.

ولذا فإنه من المهم بالنسبة لبقيتنا أن نكون واضحين فى السبب الذى جعلنا نصل إلى الوضع الذى باتت تتعرض فيه «ماى» للهجوم من قبل الأخوين جونسون (جو وبوريس)، فقد ترك «بوريس» منصبه فى الحكومة كوزير للخارجية لإجراء حملة أخرى، أما «جو» فقد ظل ينتقد وزارتها حتى استقال منها مؤخرًا، ولم تصل «ماى» إلى هذا المكان الخطر- لكل من منصبها فى رئاسة الوزراء وبلدها- لأنها مفاوض سيئ، فليس صحيحاً القول بأنه كان من الممكن وجود صفقة رائعة لو أنها حاولت بشكل أكثر جدية.

وأرى أن «ماى» باتت فى وضع شديد الصعوبة، وذلك لأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى لم يكن موجودًا أبدًا خارج الأوهام اللامعة لمؤيدى الفكرة، فلم تكن هناك صفقة متاحة تسمح للمملكة المتحدة بالاستمرار فى التمتع بجميع المنافع العديدة لشراكتها مع الاتحاد الأوروبى كما وعد مؤيدو الخروج.. فمنذ البداية كان عليها أن تختار بين خيارات كلها سيئة.

وفى حال كانت «ماى» لديها مهارات تفاوض أفضل مما لديها بـ10 مرات، فإن بريطانيا كانت لتكون فى نفس المكان تقريباً الذى هى فيه الآن، ففى أحسن الأحوال ستقدم رئيسة الوزراء صفقة أسوأ من الوضع الذى نتمتع به حاليًا كأعضاء فى الاتحاد الأوروبى، وفى أسوأ الأحوال سيتم دفع بريطانيا إلى اتخاذ الطريق الكابوسى الذى سيؤدى بها إلى حافة الهاوية، وستقدم «ماى» هذا الخيار البائس، ليس لأنها أكثر المفاوضين تعاسة، ولكن لأنه لم تكن هناك أى نهاية سعيدة أخرى متوافرة لهذه القصة.. فمشكلة بريكست لا تتعلق بتيريزا ماى، ولكن مشكلته تتعلق بالفكرة نفسها.

ترجمة- فاطمة زيـدان

------------------------
الخبر : أندرو رونسلى يكتب: نقلاً عن صحيفة «ذا جارديان» البريطانية .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق