عاجل

«الشباب»

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

يتكاثر الحديث عن الشباب ودوره وأهميته وتجسيده لآمال ومستقبل الأمة وضرورة تنمية طاقاته وقدراته وتفعيل مشاركته فى الحياة السياسية والاقتصادية وما إلى ذلك من تكراريات ونمطيات الخطاب السياسى والإعلامى فى مصر منذ عقود.

إلا أن السؤال البدهى الذى يجب أن يتبادر إلى الأذهان وأن يسبق أى سياسة أو إجراء لتحريك ملف الشباب هو تعريف المقصود بالشباب؟ فما هى الشريحة العمرية المعنية بهذا الاصطلاح بشكل دقيق؟ فإذا نظرنا إلى التعريف القانونى فالأهلية المدنية المحدودة تبدأ عند سن 16 سنة باستصدار البطاقة الشخصية، إما إذا رجعنا إلى الحقوق السياسية فحق الانتخاب لا يبدأ إلا عند سن 18 سنة مثله مثل سن وجوب تأدية الخدمة العسكرية الإجبارية (التجنيد) فى حال عدم وجود أسباب لتأجيلها ولا تُستَكمل الأهلية المدنية إلا عند بلوغ سن الرشد القانونى (21 سنة)، ومن الملاحظ أن هذه المعايير تختلف فى نقطة بدايتها العمرية ولا تحدد حداً أقصى سناً لمرحلة الشباب.

وقد اجتهدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو) فى وضع تعريف موحد للشباب فحددته بين سن الانتهاء من التعليم الإلزامى (15 سنة) والتحصل على أول وظيفة (24 سنة) مع ترك الحرية لكل دولها الأعضاء فى تغيير تلك الحدود العمرية حسب ظروفها، وقد قام الاتحاد الأفريقى بإصدار الميثاق الأفريقى للشباب الذى رفع الحد الأقصى الذى وضعته اليونسكو إلى 35 سنة فى اعتراف علنى وشجاع بصعوبة الحصول على فرص عمل فى أغلب الدول الأفريقية قبل هذه السن.

وإذا رجعنا إلى التعريف الشرعى واللغوى لمرحلة الشباب فهو يبدأ عند البلوغ كما جاء فى قول المولى عز وجل: «وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ» (سورة النور: آية 59)، وحيث إن الشباب لغوياً هو مرحلة النماء والقوة فنهايته تأتى مع زوال هذه المرحلة التى حدد القرآن الكريم سقفها العمرى فى الآية الكريمة «حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً» (سورة الأحقاف: آية 15). وتعود أهمية التعريف إلى تأثيره على المكون العددى للفئة المقصودة بالشباب، فإذا أخذنا أضيق التعريفات وهو تعريف اليونسكو (24-15 سنة) فيبلغ عدد الشباب فى مصر 17.3 مليون نسمة حسب بيانات الكتاب الإحصائى السنوى لعام 2017، وإذا أخذنا أوسعها وهو التفسير الشرعى اللغوى (40- 12 سنة) فعدد الشباب يزيد زيادة ضخمة ليصل إلى 43.9 مليون نسمة.

أما الدول الغربية فتنظر إلى التقسيم العمرى بشكل مختلف أكثر براجماتية وارتباطاً بالتطور التكنولوجى الكبير والمتنامى الذى تراه أساس تفوقها الحالى والمستقبلى فتُقسَم الشباب إلى فئتين محددتين هما جيل الألفية (Millennials) الأكبر سناً من مواليد 1980 إلى 1995 (أى أصحاب الأعمار بين 24 و40 سنة تقريباً) وهو الجيل الأول المستوعب تماماً لتقنيات العصر الحديث والذى يسيطر بشكل متزايد على الثقل الاقتصادى والنشاط الإبداعى والقرار السياسى فى هذه الدول ويبلغ حجمه فى مصر حوالى 22.8 مليون نسمة والجيل الثانى الذى يركز عليه الغرب هو جيل ما بعد الألفية Gen-Z) أو (Post Millennials وهم مواليد ما بعد 1995 أى من لا تزيد أعمارهم حالياً عن 25 سنة تقريباً وهو الجيل الأول المولود مباشرة من رحم تقنيات العصر الحديث بما فيها من وسائل اتصال وتواصل وتحليل وتعامل مع كافة الاحتياجات اليومية وليس له على عكس جيل الألفية أى ذاكرة مؤثرة أو تجربة عملية عما كان موجوداً سابقاً من تقنيات وأساليب حياتية مختلفة.

إن اختلاف معايير التعريف وما يستتبعها من تفاوت واسع فى حجم شريحة الشباب هى نقطة البداية الضرورية لتحديد وتنفيذ أى سياسات جادة لتفعيل طاقة الشباب، لأن السياسات المطلوبة لكل فئة عمرية ضمن تعريف الشباب تختلف اختلافاً جذرياً، فمثلاً يعتبر التعليم ومواكبته للعصر هو أهم احتياجات جيل ما بعد الألفية بحكم أعمارهم، فهو الذى يؤهلهم للتعامل مع العالم الذى سيعيشون ويتنافسون فيه على عكس جيل الألفية الأكبر سناً، فاحتياجه الرئيسى هو لفرص العمل المستدامة التى تحقق له القدر الكافى من طموحاته وآماله، لذلك فالتعريف السليم أمر عاجل ومحورى، لأن القرارات والأولويات الناتجة منه ستستدعى الخيارات الاستثمارية الصعبة، خاصة فى إطار ضيق الموارد الاقتصادية المتاحة حالياً، ولأن الشباب مرحلة وقتية زائلة وهى أثمن الفترات العمرية من حيث الطاقة التنموية الكامنة لأصحابها عملاً وإبداعاً، فهى فترة القوة القصوى للإنسان فكرياً وبدنياً التى تتوسط ضعف الطفولة ووهَن الشيخوخة.

وختاماً، فأوضاعنا القائمة لا تحتمل الحلول الشكلية والإعلامية فى هذا الملف التنموى الخطير فعصر ما بعد الألفية الذى نعيشه يحتاج إلى عقول وأبدان شابة فى أعلى المناصب تمتلك القدرة والقوة لاتخاذ القرارات الجديدة والجريئة التى تحدد الحاضر وتبنى المستقبل فتمكين الشباب هو الحل الوحيد لسد الفجوة المتزايدة بين مصر والدول التى تنتج العلم والإبداع والتطور التقنى لنستطيع مواجهة تحديات الحاضر الوجودية بفكر الغد- حقاً لا قولاً - ولنرى الابتكار والإنتاج يَعُم بدلاً من التقليد والاتكال وحتى لا نجنى على شبابنا، فيصح فينا قول أبى العلاء المعرى: «هذا جناه أبى عليّ وما جنيت على أحد».

------------------------
الخبر : «الشباب» .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق