رجل وامرأة

0 تعليق 28 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

شاهدتهما يجلسان على المائدة المجاورة لى فى أحد فنادق شرم. الشاب أسمر اللون وسيم الملامح. والفتاة سمراء وبدينة القوام. بدوا لى كزوجين صغيرين من جنسية خليجية، يقضيان رأس السنة فى شرم كاختيار أمثل من جهة السعر والمسافة والبحر الأزرق والطقس الرائع.

■ ■ ■

كنت أتناول الغداء فى شرود، لكن شيئا ما فى هيئتهما جعلنى أنتبه. البنت كانت تنظر إليه بحب طافح، وتحاول أن تمد وصال الحديث معه. أما الشاب فكان يبدو ملولا وعازفا عن الكلام.

تأملته. كان يرتدى شورتا قصيرا وسترة سميكة رياضية تمنحه دفء الشتاء وتدفع عنه البرودة اللطيفة. ثمة إهمال محبب فى شاربه ولحيته، وفى الجملة بدا لى شابا مجربا سافر كثيرا وطاف بالكثير من البلدان شرقا وغربا. وتصورت ما يفعله هناك بشبابه ووسامة ملامحه وانجذاب الأوروبيات الشقراوات لسماره.

ولكن ماذا عن زوجته؟

■ ■ ■

الفتاة بدينة بأكثر مما ينبغى. وتعقص شعرها على هيئة هرم ضخم يتجه لأعلى. طراز هذه العقصة يعود إلى أزمنة غابرة لم أرها- إلا وأنا طفل- فلماذا اختارتها؟

بشرتها سمراء وصافية، وملامحها عادية لا توصف بالقبح ولا بالجمال. على أن أوضح ما فيها هو عيناها الواسعتان الطافحتان بالحب، وهى تنظر إلى رجلها وتحاول أن تستدرجه بالحديث الودود. والشاب نافر وغير مهتم ويسمع بنصف أذن، هذا لو كان يسمع أساسا. والبنت ما زالت تتكلم، تنظر إليه وتبتسم. وعلى شفتيها تتقلص الابتسامة. وفى عينيها الواسعتين ترتعد ظلال ألم عاشقة يوشك قلبها أن يخبرها بالحقيقة. ولكنها بقوة اليأس تواصل الاستبسال وترفض الاستسلام وتتكلم.

■ ■ ■

لماذا تزوجها من الأصل وهى لا تروق له؟ وواضح تماما أنه لا يحبها. هكذا شرعت أفكر وأنا أمضغ الطعام فى بطء. يجوز أنها قريبته! ويجوز أن تكون ابنة رجل غنى. ويجوز أيضا أنه اختارها لذاتها بعد أن طوّف البلاد شرقا وغربا ورافق النساء ففقد الثقة فيهن، فألهمه عقله أن يؤوب لابنة بلده، التى سوف تحفظ العرض وتكون عونا له على تقلبات الدهر، مثل أى زوجة أصيلة.

ويجوز أن يكون قد تزوجها لأى سبب آخر لا يعلمه. لكن المؤكد بالنسبة لخبرتى فى الحياة أنه لا يحبها. وأن قلبها المتعطش للحب سوف يتحطم مرارا. وأنها سوف تتجرع كؤوس اليأس كأسا بعد أخرى. حتى ينهكها تماما، ويتساوى عندها أن يحبها أو يكرهها. أو يخونها أو يخلص لها.

■ ■ ■

نهضت فى تثاقل عن المائدة وقد انتابنى حزن شفيف، وفكرت فى نفسى: لشد ما يظلم الرجال النساء حين يتزوجون ممن لا يحبون لمجرد أن وقع عليه الاختيار مؤدبة وأصيلة، ثم يهملها الرجل بعد ذلك. ألا ليته تركها فى حالها ولم يتزوجها.

ونظرت إليهما للمرة الأخيرة: الشاب ما زال ينظر إلى بعيد، والبنت تلثم بنظراتها وجهه. وتتكلم، لم تزل تتكلم.

------------------------
الخبر : رجل وامرأة .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

0 تعليق