تجديد الخطاب الدينى (4)

0 تعليق 26 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

ربما يكون الرئيس عبدالفتاح السيسى هو أول رئيس جمهورية يهتم ويلح على قضية التجديد «تجديد الخطاب الدينى» منذ أن طرحها أول مرة سنة 2014، وكان يخاطب علماء الدين فى مناسبة الاحتفال بالمولد النبوى الشريف، وعلى الأغلب فإن الرئيس لا ينطلق فى إلحاحه من موقف أيديولوجى أو موقف نظرى، بل بناءً على مشاكل فى الواقع لامسها بنفسه حين تولى الرئاسة، وربما قبل ذلك، رأى عمليات القتل والإرهاب التى تقوم بها الجماعة الإرهابية بحق الضباط والجنود فى سيناء، فضلًا عن المدنيين، وتابع كذلك عملياتهم الإرهابية بحق المواطنين الأقباط، بما يمثل هدمًا لنسيج المجتمع، ورأى كذلك محاولات تخريب وهدم المؤسسات والمنشآت العامة، بما يعنيه ذلك من هدم الدولة والعمل على إسقاطها تماما، وكذلك الخسائر الاقتصادية التى تنتج عن تلك العمليات، تراجع السياحة وهروب الاستثمار والمستثمرين، بما يؤدى إلى مزيد من الإفقار لبعض فئات المجتمع التى تستفيد وتتعيش من السياحة وعوائدها، وفى المشهد كذلك الدول التى أنهكها التطرف والإرهاب، والدول التى سقطت بالفعل من جراء المتشددين والإرهابيين.

وأشار السيد الرئيس أكثر من مرة إلى حجم الإساءة التى تسببها تلك العمليات الإرهابية إلى الإسلام والمسلمين حول العالم، خاصة فى المجتمعات الغربية، مما أدى إلى تضخم ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، وتساءل أكثر من مرة: هل من المعقول أن يحاول مليار أو أكثر قليلا فرض تصورهم واختيارهم على أبناء الكرة الأرضية جميعاً، بما يعنى الاستياء من رفض التعدد والاختلاف، والإصرار من قبل المتشددين على فرض تصوراتهم على الإنسانية كلها..

والمعروف أن الرئيس إنسان شديد التدين، ومن ثم لا تنطبق عليه مخاوف القلقين من الجديد، والذين يرون فى التجديد قصد هدم الدين كله، ويقولون إنه تبديد وليس تجديدا، ولأنه متدين فإننا يمكن أن نفهم المقصود بالتجديد هو العودة إلى وسطية الإسلام واعتداله، إسلام أجواء حى الحسين وخان الخليلى فى الخمسينيات والستينيات، حيث نشأ وترعرع، ودروس العصر ما بين جامعى الأزهر والحسين، الأقرب إلى روح التصوف، الذى يسع الجميع بحب صادق وإيمان نبيل، ومن ثم رفض التشدد والعنف باسم الدين، ناهيك عن الإرهاب، وأظن أن ذلك هو رغبة وحلم الكثير من المصريين الذين أزعجهم التشدد والتزمت من جانب والتكفير والإرهاب من جانب آخر.

قضية التجديد مطروحة منذ زمن بعيد، كان يتبناها كُتاب وعلماء ومفكرون، منذ رسالة رفاعة رافع الطهطاوى التى نشرها فى مجلة «روضة المدارس»، قبل حوالى قرن ونصف بعنوان «القول السديد فى الاجتهاد والتجديد»، ولكن هذه المرة لا يطرح القضية كاتب ومفكر أو عالم، بل رئيس الجمهورية أو «ولى الأمر» بالتعبير الفقهى، وهذا ما يعطيها زخما، ويضمن لها أن تتحقق وتتحول إلى سياسات على الأرض وخطوات فعلية تتخذ.

والأمر المؤكد أن الرئيس أحرج العلماء أدبياً، هو لم يأمر ولم يوجه ولم يصدر تعليمات واجبة النفاذ، لكنه طرح مطلباً بأسلوب أخلاقى دمث وعف، واكتفى بالقول «سوف أحاجيكم أمام الله يوم القيامة»، والأمر المؤكد أن معظم العلماء يقدرون الرئيس ويحبونه، ولكن هم لديهم مشكلات كثيرة مع التجديد، وبعض هذه المشكلات بلا حل إلى اليوم، وهى قائمة منذ قرون.

سوف نسمع من كثير منهم الحديث النبوى الشريف الذى رواه أبو داوود فى سننه «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد دينها»، ويتفق حول هذا الحديث الأزهرى المتشدد والأزهرى المستنير، ومن قرأ كتاب الشيخ عبد المتعال الصعيدى «المجددون فى الإسلام»، يجد أن كتابه بنى وقام بتأليفه فى ضوء هذا الحديث، وكذلك كتاب الشيخ أمين الخولى، رحمهما الله.

والمعنى لديهم من هذا الحديث أن مسألة التجديد محسومة ولابد أن تحدث تلقائياً ولكنها قضية إلهية، يختار الله بعنايته المجدد ويبعثه إلينا، مرة كل مائة عام، واختلف هل يكون فى بداية المائة أو فى نهايتها؟ ومن ثم فإن التجديد قضية لا يتدخل الإنسان فيها برغبة أو اختيار ولا بطلب أو إلحاح، بل هى متروكة للعناية الإلهية فى التوقيت الذى تحدده وبالنسبة لشخص المجدد والقضايا التى يختارها.

ولعل هذا ما جعل باحثاً نابهاً وكاتباً متميزاً، مثل أحمد أمين، حين أراد أن يتناول هذه القضية فى كتاب، أصدره قبل سبعين عاماً، أسماه «زعماء الإصلاح فى العالم الإسلامى» ولم يستعمل مصطلح «المجددين».

قبل ثلاثة أعوام بالضبط، تناقشت فى حضور عدد محدود من الزملاء مع شيخ وعالم جليل فى مسألة تجديد الخطاب الدينى، فذكر الحديث النبوى سابق الإشارة إليه، وقال بالحرف «دعنا من التجديد وغيره، هناك خطر شديد على الأزهر وعلى الدولة والمجتمع والمنطقة كلها، هذا الخطر يتمثل فى السلفيين.. هم أخطر من الإخوان».. هكذا قال بالحرف؛ وقلت له: إن التجديد يضمن لنا تراجع هؤلاء وأولئك.

طبعا الحديث النبوى يشير إلى عموم المسلمين، لكن ماذا عن قضايا كل مجتمع الخاصة، وفضلا عن ذلك فإن حياة الناس تحتاج إلى تجديد مستمر، ربما كل جيل وربما أقل من ذلك، التغيير والتجديد سنة الحياة.

وهناك فريق آخر يرى أن التجديد يعنى «إحياء السنة وإماتة البدعة»، وفق تعبير د. حمدى زقزوق فى كتاب صدر له مؤخرا، وهذا التعريف يقود فى النهاية إلى رفض التجديد والوقوف ضده، لأنه يتجاهل الواقع بكل معطياته ومستجداته ويذهب إلى فترة بعينها هى فترة حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة الأوائل، حيث كان الواقع مختلفا تماما والتحديات ليست هى نفسها.

هذه المواقف وغيرها جعلت من الأزهر مؤسسة محافظة، يخشى كثيرون فيها التجديد ويشعرون بالقلق منه، وتأمل كثير من المواقف فى عصرنا الحديث، رفضوا فى القرن التاسع عشر طباعة المصحف، لأنهم اعتبروا المطبعة قطعة من الحديد، ليس مطهرا، وعمالها ليس مضمون طهارتهم وتقواهم، وكان أن أمر محمد على بطباعة المصحف دون موافقتهم، واستغرق الأمر عقودا طويلة حتى استقر أمر طباعة القرآن الكريم.

نفس الأمر حدث حين قرر الخديو إسماعيل إلغاء الرق والعبودية وإغلاق سوق العبيد وسوق الجوارى بالقاهرة، فقد اعترض بعض المشايخ بشدة، لأسباب لا تحتمل هذه المساحة ذكرها بالتفصيل، لكنه اتخذ القرار، واحترم الجميع القرار، وحققت مصر سبقا حضاريا فى المنطقة بهذه الخطوة الجسورة من إسماعيل باشا.

وسوف نلاحظ أن المجددين من داخل الأزهر، مثل الشيخ محمد عبده، كانوا يتعرضون لحروب ومضايقات من فريق المتشددين داخل المؤسسة، عانى محمد عبده كثيرا، وتم تكفيره واعتُدِى عليه مرة بالضرب، وعند وفاته دعا بعضهم إلى عدم الصلاة عليه، ولما توفى شيخ الأزهر مصطفى عبدالرازق بأزمة قلبية مفاجئة بعد عودته من المشيخة إلى المنزل، كتب حسن باشا يوسف، وكيل الديوان الملكى، فى مذكراته أن مكايدات المشايخ له أودت بحياته.. وحين استضاف د. أحمد الطيب أعدادا من المثقفين فى مكتبه لوضع وثيقة الدولة المدنية، تعرض لتهجم من بعضهم وأظن أنه مازال يتعرض منهم لبعض المكايدات.

ومع ذلك فإن الإلحاح والدفع نحو التجديد، جعل الأزهر يقوم بمراجعة مناهج المعاهد الأزهرية، وتم حذف كثير مما كان موضع الشكوى فيها من المراقبين والمتابعين، خاصة فيما يتعلق بغير المسلمين.

------------------------
الخبر : تجديد الخطاب الدينى (4) .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

0 تعليق